أفرزت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تأثيرات كبيرة على الاقتصاد في مختلف دول العالم، وبينها مصر، وبتداعيات مباشرة تمثلت في خروج سريع للاستثمارات في سندات الديون وبالأخص منها الأموال الساخنة، لتكشف عن حالات خلل في الاقتصاد الوطني، وهو ما وصفته دراسات بأنه أقرب إلى (الهشاشة).
وظهر جليًّا في مصر خلال الأسابيع الأخيرة، منذ اندلاع الحرب، والذي انعكس في خروج أو هروب لمليارات الدولارات وصلت في تقديرات إلى 10 مليارات دولار، وهو ما يؤشر على خطورة الاعتماد الكبير على هذه النوعية من الاستثمارات، والتي تحتاج إلى ضوابط للحد من تأثيراتها.
وتبع ذلك انخفاض واضح في قيمة الجنيه أمام العملات الأجنبية، ليقترب من 53 جنيهًا في بداية الأسبوع الجاري، مقارنة بأقل من 47 جنيهًا قبل الحرب بيوم واحد، بانخفاض ستة جنيهات، وبنسبة تدور حول 10%.
وفي دراسة لمركز سياسات بديلة التابع للجامعة الأمريكية، لفت إلى أن هذا الانخفاض نتيجة خروج جماعي لما يُعرف بالأموال الساخنة، والتي هي عبارة عن استثمارات أجنبية قصيرة الأجل في أدوات الدين الحكومية (أذون وسندات الخزانة)؛ حيث يؤدي خروج هذه الأموال من السوق دون ضوابط إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية، مما يضغط على قيمة العملة المحلية ويضعف من قدرتها الشرائية.
وفي وقت صدور هذه الدراسة قدرت الانخفاض في قيمة الجنيه المصري بنسبة 8.2% مقابل الدولار الأمريكي بعد عشرة أيام من اندلاع الحرب، ليهبط إلى مستوى قياسي بلغ 52.8 جنيه أمام الدولار الأمريكي، وهو أدنى مستوى له على الإطلاق، وتجاوز الانخفاض حاليا هذه النسبة بشكل ملحوظ، ووصلت 12 بالمئة في بعض الأيام.
التأثيرات المباشرة للحرب على الاقتصاد المصري تعددت، فبخلاف انخفاض قيمة الجنيه وبتراجع حاد، ارتفعت أسعار الوقود، وهي صدمة تفاقمت آثارها بفعل تراجع إيرادات قناة السويس والانخفاض المتوقع في عائدات قطاع السياحة؛ وعلى الرغم من الخسائر المؤكدة، قد تتمكن مصر من تجاوز هذه الأزمة.
الدراسة التي نشرتها نشرة (عدسة) بينت أن صافي تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى مصر، البالغ 1.6 مليار دولار في السنة المالية 2025/2024 ساهم في تغطية الاحتياجات الفورية من النقد الأجنبي وتمويل الديون، إلا أن هذا الاعتماد على الاستثمارات الأجنبية المتقلبة أدى إلى موجات من عدم الاستقرار.
ومن استنتاجات الدراسة أن ضغط التضخم الناتج عن تراجع الجنيه المصري يُمثل جزءًا من المشاكل الراهنة في الاقتصاد الوطني، حيث أدت مخاطر الملاحة البحرية المتزايدة إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وقد أدى بدوره إلى زيادة تكلفة الاستيراد المحددة بالدولار وأسعار السلع الأساسية.
وهذا الوضع الذي دفع الرئيس عبد الفتاح السيسي بالقول، إن مصر تمر بفترة “تشبه حالة الطوارئ الاقتصادية” في ظل التصعيد الإقليمي الراهن.
ومن التأثيرات التي ظهرت بوضوح على مصر اقتصاديا، ما يواجهه قطاع الطاقة من ضغوط متزايدة نتيجة إغلاق مضيق هرمز، وهو ما دفع الحكومة إلى رفع أسعار البنزين والسولار بنسب تتراوح بين 14-30%.
ومع نشوب الحرب واتساع نطاقها من أمريكا وإسرائيل، أوقفت تل أبيب إمدادات الغاز إلى مصر خلال 24 ساعة من اندلاع الصراع عقب إغلاق حقلي “تمار وليفياثان”، مع العلم أن إمدادات الغاز الإسرائيلية تمثل 10-12% من مصادر الغاز الخارجية لمصر.
وأدى ذلك إلى لجوء الحكومة إلى وسائل أكثر تكلفة، حيث توسعت بشكل ملحوظ في استخدام المازوت لتوليد الكهرباء، ورفعت الإمدادات إلى محطات الطاقة بنسبة 333% لتصل إلى 26 ألف طن تقريبًا يوميا، بهدف الحفاظ على قدرات توليد الطاقة الكهربائية وتجنب العودة إلى سياسات تخفيف أحمال الكهرباء، إلا أن تكلفته باهظة.
من تحديات الحرب، وفقا للدراسة، فإن إغلاق مضيق هرمز، قد يؤدي إلى تراجع ملموس في إيرادات قناة السويس، خصوصًا أنها مصدر رئيسي للنقد الأجنبي للاقتصاد القومي، وتتأثر بالاضطرابات الجيوسياسية وهو ما ظهر في 2024، عندما أجبرت هجمات الحوثيين في البحر الأحمر العديد من الخطوط الملاحية على اتخاذ الطريق الأطول حول رأس الرجاء الصالح، مما تسبب في انخفاض حركة المرور عبر القناة بنسبة 68.4% خلال الربع الأول، وأسفر عن خسائر لمصر قُدرت بنحو 7 مليارات دولار
ومن الملاحظات المهمة أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تلقي بظلالها على قطاع السياحة، الذي يُمثل ثالث أكبر مصدر من النقد الأجنبي في مصر، حيث حققت السياحة في عام 2025 إيرادات بلغت 16.7 مليار دولار، أي ما يعادل 16.3% تقريبًا من تدفقات العملة الأجنبية.
ومن هنا فإن السياحة تواجه اضطرابات محتملة في ضوء تحذيرات السفر الصادرة عن عدة دول، من بينها كندا وهولندا وإيطاليا وألمانيا، والتي حذرت من السفر إلى منطقة الشرق الأوسط، في وقت أدرجت وزارة الخارجية الأمريكية مصر ضمن قائمة الدول المُعرضة للتهديد، ونصحت مواطنيها بـ “المغادرة الفورية عبر وسائل النقل التجارية”، وهناك من يرى أن تداعيات الحرب بدأت تظهر بالفعل على النشاط السياحي، وسط تقارير تشير إلى قيام منظمي الرحلات بإلغاء حجوزاتهم إلى مصر.
ورغم كل هذه المخاطر للحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية، ترى دراسة السياسات البديلة أن هناك آفاقًا للخروج من تلك الأزمات، فقطاع السياحة هو طوق نجاة محتمل للاقتصاد المصري من بين القطاعات الأربعة (قطاعات الأسواق المالية وإمدادات الطاقة وإيرادات قناة السويس والسياحة)، وهي الأكثر تضررًا من الحرب، ولكن تظل مصر في مأمن من الضربات الإيرانية الانتقامية، مما يجعلها وجهة واعدة للسياحة الإقليمية والدولية، ومن المهم أن تعمل الحكومة على اغتنام هذه الفرصة، والإعداد لإطلاق حملة تسويقية مكثفة تستهدف عطلات عيد الفصح وموسم الصيف.
Sign in
Sign in
Recover your password.
A password will be e-mailed to you.
الموضوع السابق
تعاون مشترك بين “جهاز حماية البحيرات” و”محافظة الفيوم” لإعادة التوازن البيئي وتعظيم الإنتاج السمكي
الموضوع التالي

التعليقات متوقفه