ضد التيار ..أمينة النقاش تكتب:عن إشكالية وحدة قوى اليسار

80

بمناسبة احتفال التجمع بعيد تأسيسه الخمسين، سألنى بعض الزملاء الصحفيين السؤال التالى: أين حزب التجمع فى الشارع المصرى؟ والسؤال يفترض، أن الأحزاب هى من تتحمل منفردة المسئولية عن صناعة شعبيتها وانتشارها بين الجماهير. وهو افتراض حسن النية وصحيح، لكن ينقصه ليس فقط الاجابة عن سؤال مماثل، وهو وأين توجد يا ترى الحياة الحزبية بمجملها، فى الشارع المصرى؛ اللهم فى المناسبات الانتخابية؟ كما تنقصه أيضًا الذاكرة، التى تتجاهل السياق العام للبيئة الحاضنة للحياة السياسية والحزبية، طوال العقود الخمسة الماضية.

طرح الرئيس السادات فى أواخر عام 1975 ورقة أكتوبر، بعد نحو عام من صدور القانون 43 لعام رقم 43 لسنة 1974 الذى دشن سياسة انتقال الدولة، من مرحلة الاقتصاد المخطط إلى سياسة الانفتاح الاقتصادى واقتصاد السوق، وفتح المجال أمام الاستثمار المحلى والعربى الأجنبى، وما أسماه المستشار عادل غنيم النموذج المصرى لرأسمالية الدولة التابعة. وقد دخل القانون حيز التنفيذ فى العام التالى، بعد إجازة ورقة أكتوبر، التى انطوت  للمرة الأولى بعد خمس سنوات من تقلده السلطة، على إعلان الرئيس السادات لتطوير الحياة السياسية، والسماح بتعدد المنابر داخل الاتحاد الاشتراكى لتيارات اليسار والوسط واليمين، والتى غدت فى العام التالى مباشرة، أحزابًا مستقلة.

لم يكن هذا التغيير يهدف إلى توسيع أفق المسار الديمقراطى فى البلاد وفقا لمطالب القوى السياسية المصرية، بل جاء استجابة أساسية لضغوط المستثمرين والمؤسسات الدولية المانحة للقروض والمساعدات المالية الأوروبية والأمريكية، ليس لأجل إرساء نظام ديمقراطى راسخ، بل لخشية تلك الجهات على أموالها، فى بلد يحتكر فيه حزب واحد السلطة، ويجرى فيه الدمج بين السلطات التنفيذية والتشريعية، وتغيب عنه آليات الشفافية والمراقبة والمساءلة الديمقراطية.

ورغم الحصار الذى تم فرضه على التعددية العائدة بترسانة القيود العرفية والتشريعية، وسيل من حملات التشهير بالأحزاب ومنعها من الاتصال بالجمهور والتشويه العمدى لقياداتها، وفتح أبواب الإعلام الرسمى للهجوم عليها والتشكيك فى وطنيتها، ووضع العراقيل أمام استقلالها فى أخذ القرار والتحدث بطلاقة عن محدودية انتشارها وتأثيرها، والاستخفاف بفكرة الحزبية ذاتها، وإغلاق وسائل الإعلام الأكثر تأثيرًا أمامها، واختلاق أغلبيات وهمية فى المجالس النيابية، برغم كل هذا الهول، تصدت أحزاب المعارضة، وفى القلب منها حزب التجمع، لتلك القيود، تمسكا بحق المصريين فى إقامة  تعددية ديمقراطية حقيقية، وهو الأمر الذى جعل من العسير على السلطات التنفيذية أن تحتوى الحياة الحزبية برمتها، فى إطارواحد مرسوم سلفًا، لاسيما بعدما تمكنت أحزاب بينها الوفد، من الحصول على أحكام قضائية تمنحها حق التأسيس، ربما ضد رغبة تلك السلطات.

وخلال 5 عقود لم يتوقف التجمع عن العمل وفق المنهج الذى أرساه الآباء المؤسسون له، وتم التعبير عنه فى برنامجه التأسيسى، والذى امتلك شجاعة تعديله فى بداية التسعينيات لوضع أسس لبناء مجتمع المشاركة الشعبية والعدالة الاجتماعية. كما كان هو المبادر بإخلاص، من أجل السعى لبناء تحالفات سياسية يكون من بينها تحالف يضم قوى اليسار والأحزاب الاشتراكية. لكن تطور الأحداث كشف أن تلك القوى هى من أجهضت التجربة، وسارعت للتحالف مع جماعة الإخوان فى الانتخابات التشريعية التى جرت بعد رحيل نظام مبارك، ورفضت تحذيرات التجمع الواضحة بخطر تلك الجماعة على استقرار مصر ووحدتها الوطنية وأمنها القومى والاجتماعى. فضلا عن انتهازيتها فى استخدام كل الأطراف، لتصعد على أكتافها إلى السلطة، وبينت أن خطابها مشاركة لا مغالبة، خطاب كاذب وفاسد، وسرعان ما كشف عنه استيلائهم على السلطة وانفرادهم بها، بعد أن كانوا قد تسللوا إلى معظم الأحزاب والقوى المدنية والتحركات الجماهرية التى تصدرتها حركة كفاية، وتناسلت عنها حركات الدعوة للتغيير وسط القضاة والصحفيين والمهنيين لمساندة وتأييد ودعم حكم يسعى، إلى تحويل مصر إمارة فى دولة دينية، تروم استعادة الخلافة.

وبدلًا من طرح الأسئلة السهلة والنصائح المكررة التى تطالب التجمع بالإجابة عنها وتنفيذها. فلماذا لا نفكر فى استخدام الهامش المتاح من الطرق السلمية الديمقراطية، لكى يقتنع من بيدهم القرارو بأهمية إسقاط كافة القيود القانونية والعرفية المفروضة على النشاط الحزبى، وإعادة الدعم  المالى للأحزاب ولصحفها، وعمل قانون عادل ومنصف  للانتخابات ولتقسيم الدوائر. وهو اتجاه يطور فى الحياة الحزبية، ويحفز الغالبية الصامتة على الاهتمام بالشأن العام، برغم مصاعب حياتها اليومية، ويحول مصر تدريجيًّا إلى مجتمع سياسى، يصعب شق وحدته الوطنية بدعوات سلفية تشيع الفتن الطائفية والمذهبية، فضلًا عن أجواء التخلف ونشر الخرفات، التى باتت  السياسات الاقتصادية القائمة المنفلتة وغير المسئولة، تهئ لها المناخ لتسود فى أعماق المجتمع.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy