كامل السيد يكتب :حزب التجمع في يوبيله الذهبي: نصف قرن من الانحياز للفقراء… وتحديات التجديد
بقلم: كامل السيد – أمين حزب التجمع بالقليوبية
لم يكن انضمامي إلى حزب التجمع مجرد قرار سياسي، بل كان انحيازًا واعيًا لمشروع وطني واجتماعي تشكلت ملامحه منذ نشأتي في منظمة الشباب الاشتراكي، حيث تعلمت أن السياسة التزام أخلاقي بالعدالة الاجتماعية، والانحياز للفقراء ومحدودي الدخل.
منذ أن حررت استمارة الانضمام لمنبر اليسار، كنت مدركًا أن الطريق لن يكون سهلًا، خاصة في ظل ضغوط السلطة آنذاك. لكن الرهان على المبدأ أثبت أنه الخيار الصحيح.
في القليوبية، وبالتحديد في كفر الجزار بمركز بنها، عشنا تجربة تنظيمية استثنائية، حيث تأسست واحدة من أقوى وحدات الحزب، ضمت مئات الأعضاء، وكانت قاعدة صلبة للعمل الجماهيري. وكان لقربنا من القائد الوطني خالد محيي الدين أثر بالغ في تشكيل وعينا السياسي، حيث تعلمنا منه أن الحزب الحقيقي هو الذي يعيش بين الناس، لا فوقهم.
خاض الحزب معاركه الكبرى منذ أحداث 18 و19 يناير 1977، فدفع ثمن انحيازه للفقراء اعتقالات وضغوطًا، لكنه صمد. وواصل نضاله في مواجهة الفساد، وسياسات الانفتاح غير المنضبط، وتزاوج السلطة بالثروة في عهد حسني مبارك.
وكان الحزب حاضرًا في لحظات التحول الكبرى، من ثورة 25 يناير 2011 إلى ثورة 30 يونيو 2013، حيث قدم مناضلوه التضحيات، مؤكدين أن الانحياز للوطن لا يتناقض مع المعارضة الوطنية المسؤولة.
وقد تميز حزب التجمع بصيغة فكرية وتنظيمية فريدة، جمعت بين تيارات متعددة، مستلهمة رؤية جمال عبد الناصر في تحالف قوى الشعب العامل، وهي صيغة أثبتت قدرتها على الاستمرار رغم كل التحديات.
يوبيل ذهبي… وأسئلة لا تحتمل التأجيل
بعد ما يقرب من نصف قرن، يحق لنا أن نفخر بأن حزب التجمع هو الأقدم والأكثر صمودًا في التجربة الحزبية المصرية الحديثة، لكن الفخر وحده لا يكفي.
تشير التقديرات إلى أن أكثر من 70% من الكوادر الحزبية الفاعلة تجاوزت سن الخمسين، بينما لا تتجاوز نسبة الشباب النشط تنظيميًا 20–25%، وهو ما يعكس خللًا يتطلب المعالجة.
كما أن غياب الوحدات الأساسية، بحيث تبدأ التشكيلات من مستوى المراكز، أدى إلى تراجع التواصل المباشر مع المواطنين، وأضعف القدرة على الحشد، وأفقد الحزب أحد أهم مصادر قوته التاريخية.
الديمقراطية الداخلية… ضرورة بقاء
رغم أن لوائح الحزب تنص على الانتخابات الدورية، فإن التحدي الحقيقي هو انتظام تطبيقها على أرض الواقع.
فالأحزاب القوية هي التي تجدد قياداتها بنسبة لا تقل عن 30–40% في كل دورة تنظيمية، وتتيح التنافس الحقيقي، وتمنح الفرصة للكفاءات الشابة.
إن الديمقراطية الداخلية ليست مجرد نصوص، بل ممارسة يومية تعكس حيوية الحزب وقدرته على التطور.
الالتزام بالبرنامج واللائحة… صمام الأمان
لقد كان الالتزام الصارم بالبرنامج السياسي واللائحة الداخلية أحد أهم عوامل قوة حزب التجمع عبر تاريخه، حيث شكل البرنامج وحدة فكرية تجمع مختلف التيارات، بينما ضمنت اللائحة الانضباط والتنظيم.
وأي تراجع في الالتزام بهما يفتح الباب للاجتهادات الفردية، ويضعف وحدة الحزب، ويؤثر على مصداقيته أمام الجماهير.
إن استعادة قوة الحزب تبدأ من العودة الجادة إلى:
احترام البرنامج كمرجعية سياسية ملزمة
وتطبيق اللائحة بعدالة على الجميع دون استثناء
وربط الممارسة اليومية بأهداف الحزب الكبرى
التثقيف الحزبي… استعادة الروح
كان التثقيف الحزبي أحد أعمدة قوة التجمع، حيث ساهم في بناء كوادر واعية وقادرة على التحليل والعمل الجماهيري.
أما اليوم، فإن هذا الدور بحاجة إلى إحياء، خاصة وأن الأحزاب الحديثة تخصص ما بين 10–15% من نشاطها للتدريب والتثقيف، وهو ما يجب أن نستعيده عبر برامج منتظمة ومنصات حديثة.
نحو إعادة بناء تنظيمية حقيقية
إن تطوير الحزب يتطلب خطوات واضحة:
إعادة بناء الوحدات الأساسية تدريجيًا في القرى والأحياء
وضع جدول زمني ملزم للانتخابات في جميع المستويات
إطلاق برنامج تثقيف حزبي مستمر
تمكين الشباب بنسبة لا تقل عن 30% من المواقع التنظيمية
تطوير أدوات العمل الرقمي والتنظيمي
نقد من داخل البيت… من أجل المستقبل
علينا أن نعترف بأن الحزب تأثر، كغيره، بتراجع الحياة الحزبية، ووقع أحيانًا في الجمود التنظيمي وضعف الحضور الإعلامي.
لكن قوة التجمع كانت دائمًا في قدرته على المراجعة والتجدد.
ختامًا
سيظل حزب التجمع بالنسبة لي تجربة عمر، ومدرسة في الوطنية والانحياز للعدل.
وفي يوبيله الذهبي، لا نحتفل فقط بالماضي، بل نؤسس للمستقبل…
فالأحزاب لا تعيش بتاريخها، بل بقدرتها على التجدد.
وستظل معركتنا مستمرة… من أجل العدالة الاجتماعية، والديمقراطية، ودولة القانون.

التعليقات متوقفه