ضد التيار ..أمينة النقاش تكتب:يمين فى أول شمال

106

أرادت صديقتى الحبيبة مايسة زكى أن تُخرجنى من لحظات قسوة وشدة, وأن تسعى بلطفها المعتاد، إلى مداراة بعض اعتلال مزاجى الذى يفقدنى فى العادة، فى واحدة من أسوأ صفاتى، القدرة على عمل أى شىء، أو حتى التفاعل الهادئ مع من حولى، ففتحت أمامى طاقة هائلة من نور. اصطحبتنى معها إلى مسرح السلام، بعد أن هددتنى أن نصف عمرى سوف يضيع، لو فوّت الفرصة، ولم أقبل دعوتها، وهى تعرف أننى قد بلغت منه أرذله. وحين أنطفأت الأنوار فى قاعة يوسف إدريس الصغيرة المكتظة بروادها، ريثما يبدأ العرض المسرحى، أضاء ظلام القاعة عرض مسرحى فاتن وبالغ الرقى، ينبض بالحياة وبشحنات عاطفية وروحية وفكرية رفيعة المستوى، وبمواهب فنية بالغة الثراء والتنوع. وأصابنى بالدهشة وغصة فى الحلق، أن أحدًا لا يعرف إلا بالصدفة مكان وموعد عرضه المحدود المدة، وأن كثيرين من غير المختصين والمهتمين، لا يعرفون به. أما مايسة زكى فهى قائمة مقيمة فى كل ليالى عروضه.

يثير العرض المسرحى التهكمى الساخر “يمين فى أول شمال”، كثيرًا من الدهشة المفعمة بالجمال، ويطرح بقدرة وافرة على الأقناع قضية يتم عمدًا الترويج لها، برغم فسادها. أما الدهشة فتعود إلى أنه عمل فنى بديع، لفريق موهوب من الشباب، حافل بالإبداع الجياش، فيقول بذلك نحن هنا. لا يقتصر ذلك على النص والاخراج والتمثيل، بل يمتد كذلك إلى فنون الديكور والمؤثرات الصوتية والموسيقى. العرض الذى لا يستغرق أكثر من ساعة ونصف وانتجه البيت الفنى للمسرح، ينطوى على رؤية بصرية شديدة البساطة بالغة الدلالة بامكانيات لوجستية قليلة، تسقط بوضوح شديد شماعة قلة الموارد والامكانيات التى يجرى الاستناد إليها لغلق أبواب المسارح وإطفاء أنوارها، والتوقف عن إنتاج أعمال جديدة بها!

كفت السياسات الثقافية السائدة منذ عقود، عن  بناء دور مسرحية جديدة، تتلاءم مع التوسع العمرانى، وتحسب حساب القدرات المادية والفئات العمرية لروادها، أو حتى أن تعيد إليه ما اختفى من دورها قبل ذلك التوسع. كان الوزير ثروت عكاشة يحلم ويساعد على تنفيذ ما يحلم بآليات شفافة ومنصفة، تتكشف المواهب والقدرات، وتدربها وتنميها، حتى يصبح فى كل حى من  المدن الكبرى وفى كل قرية قاعة لمسرح قليل العدد زهيد التكلفة، كما كان الحال فى مسارح الثقافة الجماهرية فى الريف  والنجوع، و فى مسرح المائة كرسى بوسط البلد ومسرح الجيب فى الجزيرة، فيتحقق بذلك، ما قاله لنا يوما نعمان عاشور، فى قاعة المحاضرات فى أكاديمية الفنون، أن المبادئ الرئيسية لبناء أى مجتمع متحضر متقدم، لا تتم إلا بوجود العدل والمسرح والإحساس بالتاريخ.

ومما لا حاجة للتذكير به، أن عالم الاستهلاك والاستثمار والمال الذى ساد وطغى، حيث جعل لكل شىء ثمنا، قد قضى على تلك الأسس، حين باتت الجدوى والقيمة والهدف، تقيم بالعائد المادى، وتوزن بمعايير الريح والخسارة، التى تستثنى روح الانسان وتنمية ثقافته ووعيه وذائقته الجمالية. وتحكى مسرحية يمين فى أول شمال التى كتبها محمود جمال حدينى، بما تحمله من إيحاءات عميقة، فى عنوانها، قصة ممثل شاب –عبدالله صابر وهو المخرج أيضا – يقبل تحت ضغط الإلحاح والتعاطف، دعوة زوج-إيهاب محفوظ – لزيارة منزله لإسعاد زوجته – أمنية حسن -المقبلة على إجراء عملية فى القلب فى اليوم التالى، والشغوفة بنجوم الأفلام والمسلسلات لدرجة تعشق معها تقليد الأدوار التى يقومون بها، وتحظى بصوت قوى رائع فى الغناء وحضور جذاب وآسر فى الأداء. أما الزوج الذى يصف نفسه بأنه نجم شباك، فهو محصل تذاكر فى شباك المترو، وحسابات المقاهى، محدود الدخل والامكانيات من بين أغلبية ممن باتوا يعملون بالليل والنهار لتحصيل لقمة العيش، ومحاولة مواصلة الحياة اليومية بجسارة، لكى لا تنكسر الروح ولا تهان الكرامة.

وخلال الأداء العبقرى الصادق  لفريق  الممثلين، الذين لم أتمكن من ذكر بقية أسمائهم لعدم وجود نشرة مطوية تتضمن أسماء كل العاملين بها، تمتزج ضحكاتنا بدموعنا من مآسى هذا الواقع الحزين والمؤسف الذى يكشف عنه العرض. فالممثل الموهوب لا يجد فرصة للعمل فى وسط تتصدره شبكات تبادل مصالح، تروج لأنصاف المواهب، وتحتكر لنفسها ولأطراف المنخرطين فى دوائرها، تلك المصالح. ولذك ولغيره لم  يحصل الممثل الشاب الموهوب سوى على جملة واحدة فى مشهد جانبى، يقول فيها يمين فى أول شمال.

وتطبق على أنفاسنا وعلى شخصيات العرض المتخيلة، فرص الحياة الضيقة، وأنماط سلوكها وأساليب السعى الرخيصة لإتاحة بعض طيباتها، حيث يستعير العرض من الواقع الاقتصادى المرير ومشاهد والحياة اليومية، ما يعيد به تركيبها. لكى يلفت الانتباه إلى الخطر الكامن فى بقاء أغلبية الناس فى سفح الهامش، واحتكار أقلهم على ذروة المتن، بما يكسر الروح ويمرض البدن، ويخلى من الوطن معانيه. فطوبى لأصحاب الهامش لأنهم برغم غياب الإنصاف، يصنعون بهجة الحياة وأفراحها القليلة  .

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy