صراع الإسلام والتأسلم حول تجديد الفكر الدينى (10)

174

ورغم هذه المتناقضات التى امتلأت بها كتابات ومواقف الافغانى فإن أحداً لا يمكنه أن ينكر دوره البارز سواء فى مجال السياسة التحررية أو فى مجال التجديد الدينى . وهكذا وصفه أحمد أمين فى كلمة ألقاها أمام قبره فى احتفال أقيم لإحياء ذكراه فقال إنه “محيى النفوس ، ومحرر العقول ومحرك القلوب وباعث الشعوب ومزلزل العروش ، ومن كانت السلاطين تغار من عظمته ، وتخشى من لسانه وسطوته ، والدول ذات البنود تخاف من حركته ، والممالك الواسعة الحرية تضيق نفساً بحريته” وكم من مواقف اتخذها كانت مثار إلهام لشعوب بأكملها ففى حضرة السلطان عبد الحميد ، أقوى أقوياء زمانه وخاقان البرين والبحرين أمير المؤمنين خليفة المسلمين أخرج مسبحته من جيبه وبدأ يعبث بحباتها بين أصابعه ، وفى هدوء انحنى رئيس الديوان على الافغانى هامساً بأن يعيد الافغانى إلى جيبه مسبحته إلا أن الافغانى رد بصوت عال “إن حضرة السلطان يلعب بحياة ثلاثين مليوناً من بنى آدم ، أفلا يلعب جمال الدين بثلاثين حبة من الكهرمان” وعندما جلس الى الخديو توفيق لم يناور بالألفاظ بل قال مباشرة “إن قبلتم نصح المخلص وأسرعتم فى اشتراك الأمة فى حكم البلاد عن طريق الشورى ، فتأمرون بإجراء انتخاب جمعية لنواب الأمة ، تسن القوانين لتنفذ باسمكم وبإرادتكم يكون ذلك أثبت لعرشكم وأدوم لسلطانكم” [الأعمال الكاملة – صـ475] وكان الافغانى يصرخ بالمساواة فسأله ناصر الدين خسرو شاه إيران “أيصح أن أكون يا حضرة السيد وأنا ملك ملوك الفرس كأحد أفراد الفلاحين؟” فرد جمال الدين “اعلم يا حضرة الشاه أن تاجك وعظمة سلطانك وقوائم عرشك ستكون بالحكم الدستورى  أعظم وأثبت مما هى الآن ولا شك يا عظمة السلطان أنك رأيت وقرأت عن أمة استطاعت أن تعيش بدون أن يكون على رأسها ملك ، ولكن هل رأيت ملكاً عاش بدون أمة ورعية” [عبد الرحمن الرافعى – جمال الدين الافغانى باعث نهضة الشرق – صـ212] ويمضى الافغانى محرضاً “إنت أيها الفلاح المسكين تشق قلب الأرض لتستنبت منها ما يسد الرمق وتقوم بأود العيال ، فلماذا لا تشق قلب ظالمك؟ لماذا لا تشق قلب الذين يأكلون ثمرة أتعابك؟ وأيضاً “لو أن كل واحد من هذه الشعوب بصق بصقة واحدة ، وبصقوها معاً لتكوَّن منها بحراً هائلاً أغرق كل الطغاة” . ثم يـأتى الى ميدان التجديد فى الدين فيعلن فى شجاعة نادرة فى زمانه “إن الدين يجل عن معارضة العلم ، فإن وقعت المعارضة وجب تأويل النص” . ويصيح على صفحات العروة الوثقى “لقد فسد الإسلام بالجهل بتعاليمه الصحيحة عبر الأجيال ، ولا بد من ثورة لإصلاحه وإلا واجه المسلمون الهلاك . إن أخطاء القرون الماضية ومساوئها إنما حصلت نتيجة سوء فهم جوهر العقيدة كما احتواها القرآن والسنة ، فالإسلام فى جوهره دين عقلانى يدعو لتحرير العقول من الخرافات ويفتح الباب واسعاً أمام العلم ، وعلى المسلمين إذا أرادوا الخروج من كهوف التخلف والانحطاط ، إن يأخذوا من أوربا ما ينفعهم من العلوم الحديثة” . وأيضاً . “إن التعاليم الأصلية للإسلام تعطى للمسلمين حق الثورة ضد حكامهم الطغاة” .  ثم هو يتحدى الجميع قائلاً “إن الشرائع تتغير بتغير الأمم” [د. محمد كامل ضاهر – الصراع بين التيارين الدينى والعلمانى – صـ154] وبطبيعة الحال هاج عليه شيوخ الأزهر وحرضوا تلاميذهم ضده فهاجموا مجالسه واعتدوا عليها . فاتخذ لنفسه سكناً سرياً فى دار الفوال بخان أبى طاقية ومع ذلك لحق به طلاب الأزهر وفيما هو يخرج من بيته فى نفر من تلاميذه اعتدوا عليهم بالعصى وآذوهم إيذاء شديداً” . ووصل الأمر بالأفغانى أن بدأ فى تشكيل جمعية سرية ، كان من أهدافها اغتيال الخديو إسماعيل باشا وهو أمر أكده الشيخ محمد عبده”[Engish Occupation of Egypt – p.489 Blunt – Secert History of] وأخيراً يصدر بيان رسمى يقول “إن الافغانى كان رئيس جمعية سرية من الشبان ذوى الطيش مجتمعة على فساد الدين والدنيا – وتقرر طرده من مصر . وفيما يتجه الافغانى إلى السويس ليبحر من هناك ومعه تابعه عارف أبو تراب حاملاً صرة ملابسه تقدم له القنصل البريطانى عارضاً مساعدة مادية فقال الافغانى مترفعاً “كلا يا حضرة القنصل، إن الأسد لا يعدم فريسة”.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy