لحظة تاريخية فارقة، لو أُتيحت للإمام محمد عبده في مطلع القرن العشرين، لربما شهدت مصر ثورة تشريعية في مجال الأحوال الشخصية، فقد كشفت جولاته في المحاكم الشرعية عن اختلالات وأزمات عميقة، دفعته إلى إعداد تقرير شامل بهدف الإصلاح، غير أن أعضاء مجلس شورى القوانين آنذاك عصفوا به وبتقريره، لمجرد دعوته إلى تجاوز التقييد بالمذهب الحنفي والأخذ بجميع المذاهب، كما أن القدَّر لم يُمهله ليشهد في 2026 على الاتجاه أخيرًا نحو جمع كافة مسائل الأحوال الشخصية في قانون واحد.
فالقانون المُوَحَد فرصة تاريخية، لكن التعجل في إصداره كارثة اجتماعية، كما أن لم شمل النصوص المبعثرة له أهمية قانونية، لكن دون توحيد وتحديد الفلسفة التشريعية سيكون بمثابة تجميع أشلاء جسد ممزق للاحتفاظ به في حالة الموت السريري، وقد يُمثل تجميع النصوص سهولة البحث عنها، وهي ميزة بالطبع، لكنها تتضاءل أمام أهمية توحيد فلسفة تشريعات الأحوال الشخصية، وهو حُلم لو تعلمون عظيم.
حُلم بدأ في ثلاثينيات القرن الماضي بقوانين المواريث والوقف والوصية والولاية على المال، لكنه لم ينال باقي المسائل المتعلقة بالخطبة والزواج والطلاق والآثار المترتبة عليهم، وتكمن أهمية توحيد الفلسفة التشريعية لنصوص قانون الأحوال الشخصية، فيما تحققه من عدالة بين المخاطبين بأحكامه، وما يمكن معه قياس تطور النصوص من عدمه، فالنص القانوني بذاته ليس محل للدراسة والتقييم دون معرفة فلسفته وأسبابه وغاية المشرع منه.
خاصة وأن قوانين الأحوال الشخصية في مصر قد وُلدت أجنة مُبتسرة، فلكل قانون فلسفة تشريعية تختلف عن الأخرى، ولكل مادة استناد فقهي يتعارض مع غيره، ولكل مسألة غاية تُناقض ما قبلها، وغاية تُناقض ما بعدها، وغاية تُناقض فينا إنسانيتنا.
والمفارقة العجيبة في أمر فلسفة هذه النصوص، هو أن القوانين الأُولى للأحوال الشخصية والصادرة في عشرينيات القرن الماضي، قد اتبعت فلسفة تشريعية ارتكزت على عدم التقيد بآراء مذاهب فقهية محددة، وخاصة التي كانت “منبع شقاء العائلة” على نحو ما ذكرته المذكرات الإيضاحية للقوانين، كما اعتمد المشرع في تلك الحقبة على البحث في أصول الدين وقواعده وأهل الفقه فيه ولو من غير أهل المذاهب الأربعة.
فكانت نشأة قوانين الأحوال الشخصية ـ وعلى عكس ما قد يعتقد البعض ـ بمثابة نهضة تشريعية، تم التخلي فيها عن المذاهب الفقهية تأسيساً على عدم الاقتناع بالسند الذي بنى عليه الفقهاء حكمهم، وتم إعمال قواعد القياس الفقهي لإقرار نصوص تتناسب مع حالة العصر وتطوره، ورأى المشرع في عشرينيات القرن الماضي أن من واجبه تطوير أحكام الشريعة لحمايتها من خروج الناس عليها.
عقارب الساعة ربما تتوقف لكنها حتماً ستدور، لكن مع القوانين الحالية والصادرة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، سارعت عقاربها بالدوران العكسي نحو حقب ما قبل 1920، واعتمد المشرع فلسفة مغايرة تمامًا لفلسفة قوانين النشأة، فنفقة البنت على أبيها لأن “الأنثى في ذاتها عجز”، ونفقة الزوجة على زوجها لـ “احتباسه لها للمعاشرة الجنسية ودواعيها”، ونفقة المتعة لـ “تراخي المروءة وانعدامها”، والطلاق “حق أسنده الله للزوج ولا يجب تقييده”، وعمل المرأة بـ “إذن زوجها”.
فضلاً عن العديد من المسائل التي تَجْحظ عيناك بحثًا عن فلسفتها أو غايتها فلا تجد لها سبيلاً، فالطاعة حق تُجبر معه المرأة على تسليم نفسها والتسليم بمعاشرتها، والأم تستثمر في نفسها وأبنائها فتحصل على أجر لرعايتهم وأجر لإرضاعهم!.
هذه ليست اجتهادات فقهية، بل هي الفلسفة التشريعية لنصوص الأحوال الشخصية المعمول بها حالياً، والتي لخصتها المذكرات الإيضاحية للقوانين من خلال اقتصار المشرع على الرؤية الدينية لمسائل الأحوال الشخصية، وبحث مسائلها في نطاق نصوص الشريعة وفقط!
وبالرغم من اقتراب حُلم الأولين في صدور قانون موحد للأحوال الشخصية، لكن تظل الآمال معقودة على إتباع آليات برلمانية ذات طبيعة خاصة في صناعة هذا التشريع الذي يُنظم أشد العلاقات الإنسانية خصوصية، لأنه قد حان الوقت للتطلع نحو فلسفة تشريعية مغايرة ومتطورة، أساسها بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة، بديلاً عن فلسفة المرجعية الفقهية ذات الطابع الديني، والتي تأسست في فخ الوحدة الكلية بين العلم والإيمان، وأثمرت عن أزمات اجتماعية ما أنزل الله بها من سلطان.
Sign in
Sign in
Recover your password.
A password will be e-mailed to you.
الموضوع التالي

التعليقات متوقفه