محمود الدسوقي يكتب:السيسي الذي نعرفه

46

في افتتاح “الأوكتاجون”، لم يكن حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي، بزيه العسكري، بالنسبة لي حديثًا بروتوكوليًا لرئيس الجمهورية، بل استدعت ذاكرتي حديث الفريق أول عبد الفتاح السيسي، القائد العام للقوات المسلحة، الفارس الذي نعرفه، الذي خرج في يوليو 2013 مستدعيًا الشعب المصري لتفويضه في اتخاذ كل الإجراءات لمواجهة الإرهاب الغاشم.

وربما جاء حديث الرئيس معبرًا وكافيًا للإجابة على سؤال مُلِّح، بدأ يطاردني مع اقتراب الذكرى الثالثة عشرة للثورة. أين الشعب المصري في معادلة 30 يونيو؟؛ فالشعب لم يعد في الحسابات، وغارق في همومه اليومية التي أرَّقت مضجعه، وسلبت منه الأمل في التطلع إلى أوضاع اقتصادية واجتماعية تكفل له العيش الكريم، وتُحقق له الحد الأدنى من الأمان الاجتماعي والاقتصادي، في ظل تحديات داخلية وخارجية لا تقل في خطورتها عن سوء الأحوال المعيشية للمواطن المصري.

ولم تكن تلك التحديات السياسية والاقتصادية بمعزل عن الأوضاع الإقليمية والدولية، التي كبدت مصر خسائر فادحة، ومثلت عائقًا رئيسيًا في سبيل مشروع التنمية الذي تبنته مصر بعد ثورة الثلاثين من يونيو، خاصة في جانب تعثر عوائد هذه التنمية على المواطن المصري، وتحمله أعباءً إضافية أثقلت كاهله على مدار السنوات الماضية.

ما أعلنه “السيسي” من مقر القيادة الإستراتيجية لم يكن فقط افتتاح لدرع استراتيجي لحماية الدولة المصرية، بل هو أيضًا أول استدعاء للشعب المصري منذ 24 يوليو 2013؛ الشعب الذي تحمل ضغوطًا وأعباءً أكد الرئيس أنه يُدركها جيدًا، استدعاءً للمشاركة في إعداد مشروع وطني شامل للاقتصاد المصري، للانطلاق نحو التنمية الشاملة، من خلال التركيز على النمو المستدام، وزيادة مساهمة الشباب فيه.

فالدروع الثمانية التي أعلنها الرئيس جاءت لتمثل خارطة طريق للبدء في مشروع التنمية الشاملة، وبمشاركة شعبية، وتفتح الآفاق أمام استنهاض الشعب المصري للمشاركة في مشروع وطني شامل، يبدأ بالحوار الإعلامي، وتنشيط الحياة الحزبية، وإعداد برنامج وطني لخفض الأعباء المعيشية، وإجراء انتخابات المجالس المحلية، ومواجهة الفساد، وتطوير التعليم، وتكافؤ الفرص أمام القطاع الخاص، والتوجه نحو زيادة مساهمة الشباب في النشاط الاقتصادي الإنتاجي.

كما جاءت توجيهات الرئيس مُعبرةً عن إستراتيجية الأمن القومي المصري الثابتة تاريخيًا. فإذا كانت الأضلاع الثمانية المتداخلة والمترابطة لمبنى الأوكتاجون تمثل درعًا دفاعيًا استراتيجيًا للدولة المصرية، فإن دروع التنمية الثمانية التي أعلنها الرئيس تمثل حصنًا دفاعيًا واستراتيجيًا للتعبير عن أهمية قوة الجبهة الداخلية للدولة المصرية، في حماية وحدة أراضيها، وتماسك شعبها.

كما أن الإعلان عن ترسيخ المشاركة الشعبية وتعزيز دورها من خلال الإدارة المحلية يفتح آفاقًا جديدة نحو الإدارة الجماعية (شعبيًا وتنفيذيًا) لاستكمال مشروع التنمية، والانتقال به إلى آفاق أوسع، يكون للشعب المصري، وبخاصة الشباب، الدور الأكبر والفاعل في برنامج إصلاح اقتصادي وطني، يعتمد على إعادة هيكلة منظومة المشروعات الصغيرة والمتوسطة والتوسع في النشاط الإنتاجي الصناعي والزراعي، خاصة مع التوجه نحو مواجهة الفساد، وتنشيط الحياة الحزبية، وتأهيل الكوادر الشبابية، وإجراء انتخابات المجالس المحلية الذي يُعد الإسراع في الانتهاء منها فرصة مواتية لاستنهاض الشعب المصري بكافة فئاته نحو مشاركة شعبية حقيقية واستكمال مشروع وطني شامل للتنمية.

وإذا كان الرئيس السيسي يراهن دائمًا على وعي الشعب المصري، باعتباره حائط الصد في مواجهة جميع محاولات استهداف وحدة الدولة المصرية وسلامتها، فإن الشعب المصري، برغم معاناته، كان حاضرًا، مستجيبًا لنداء الوطن، وداعمًا ومساندًا للدولة في التصدي لمخاطر الأمن القومي التي تعرضت لها خلال السنوات الماضية، وسيظل قادرًا على مواجهة تحديات وصعوبات تنفيذ التوجيهات الثماني التي أعلنها الرئيس السيسي، الذي يعرفه المصريون جيدًا.

بقلم /محمود الدسوقي

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy