د. رفعت السعيد يكتب : صراع الإسلام والتأسلم حول تحديد الفكر الدينى
ونأتى إلى محمد عبده تلميذ الافغانى المخلص لنجد ثمة فارقين . أولهما أن عبده كان أكثر وضوحاً فى تجديده لكنه كان أقل شجاعة فى مواجهة الحكام . وإذ يستشعر محمد عبده وطأة الطغيان كان يراسل أستاذه برسائل مليئة بالألغاز ودون أن يوقعها فيرد الافغانى “تكتب لى ولا توقع وتُعقـَّد الألغاز . وما الكلاب قلت أو كثرت” [محمد رشيد رضا – تاريخ الأستاذ الإمام – الجزء الأول – صـ142] ويعود محمد عبده ليقترح على أستاذه “أرى أن نهجر السياسية ونذهب إلى مجهل من مجاهل الأرض ، لا يعرفنا فيه أحد ، ثم نختار من أهله عشرة غلمان من الأذكياء نربيهم على منهجنا فإذا أتيح لكل منهم تربية عشرة آخرين لا تمضى بضع سنين إلا ولدينا مائة قائد من قواد الجهاد فى سبيل الإصلاح” ويرد الافغانى مستنكراً “إنما أنت مثبط ، نحن قد شرعنا فى العمل ولا بد من المضى فيه مادمنا نرى منفذاً” [عباس العقاد – المرجع السابق – صـ106] .
.. ورغم هذا الفارق الواضح فى المواقف فإن الافغانى لم يجد أفضل ولا أكثر علماً ولا قدرة على التأثير فى حركة المجتمع من محمد عبده وطوال سيره بخطوات واهنة فى طريقة إلى الإبعاد كان يحيط به بعض من الأتباع وكان يوصيهم بصوت مرتفع “حسبكم محمد عبده ، حسبكم محمد عبده من ولى أمين” . لكن محمد عبده كان يتطلع مثل أستاذه إلى التغيير من أعلى وعبر تأثير فى النخبة إلى درجة أن الافغانى راهن على توفيق عندما كان ولياً للعهد ، ولما تولى توفيق موقع الخديو قال للافغانى فى تملق “أنت أملى فى هذا البلد .. يا سيد” . ولكن الخديو ما لبث إن إنقلب على الافغانى وطرده من مصر . كذلك علق محمد عبده آماله على رياض باشا الذى توسم فيه بعضاً من التفهم . لكن لحركة الجموع الشعبية رأيا آخر ، فما أن تحرك العرابيون بمساندة عارمة من الجماهير حتى كانت أول المطالب التى صاح بها عرابى فى ميدان عابدين محدداً مطالب قواته “إقاله الوزارة المستبدة” وأطيح برياض ويكتب عبده شعراً لأستاذه مهاجماً العرابيين وداعماً لرياض .
قامت عصابات جند فى مدينتنا .. لعزل خير رئيس كنت راجيه
قاموا عليه لأمر كان سيدهم .. يخفيه فى نفسه والله مبديه
كان الرئيس حليف العدل منقبه .. وسيد القوم يهوى الجور يأتيه
جروا مدافعهم ، صفوا عساكرهم .. نادوا بأجمعهم سل ما ترجيه
فنال ما نال وانفضت جموعهم .. أما النظام فقد دكت مبانيه
[محمد رشيد رضا – تاريخ الأستاذ الإمام – الجزء الأول – صـ125]
وباختصار فإن محمد عبده كان يعتقد من فرط إعجابه برياض باشا أن الخديو هو الذى حرك العرابيين فى مسرحية تستهدف عزل رياض باشا . ويكتب محمد عبده للافغانى “إن أنصار السوء وأعوان الشر قد سعوا بالوقيعة ، حتى غيروا قلب دولة رياض باشا عليك وعلى تلاميذك الصادقين ، لكن لم نلبث أن وصلنا إليه ، وكشفنا له ما غمض من الحقيقة حتى زال لبس الميطلون” [المرجع السابق – صـ142] والحقيقة أن محمد عبده كان ضد الثورة العرابية فى بدايتها ، وهكذا اعترف عبده لألفريد بلنت قائلاً “لقد انتقدت الحكومة بشدة ، لكننى كنت ضد الثورة كنت أعتقد أنه يكفى جداً أن نحصل على دستور خلال خمس سنوات ، وكنت أعارض أسلوب طرد رياض باشا ومظاهرة عابدين وكان سليمان باشا أباظة والشريعى باشا يؤيدانى ضد الثورة لكننا كنا جميعاً نطالب بالدستور” [ Blunt – lbid-p.493] . وحتى بعد اشتعال الثورة وانضمام جماهير غفيرة إليها ، وتحولها من تحرك عسكرى إلى ثورة شعبية حقاً أبدى محمد عبده مخاوفه من حركة الجموع الشعبية وحرض الأعيان والفئات الوسطى من الانصياع لحركة الجماهير . حرضهم علناً ، كما سنرى .

التعليقات متوقفه