“ذنبنا إننا حاولنا نعلّم ابننا”.. مواطنون يروون كيف فقدوا التموين والخبز بسبب معايير الاستبعاد
“غير مستحقين للدعم”… كانت هذه العبارة كفيلة بأن تقلب حياة مئات الأسر رأسًا على عقب، بعدما فوجئوا مع بداية صرف مقررات شهر يوليو الجاري بتوقف بطاقاتهم التموينية، ليس فقط بالنسبة للسلع المدعمة، وإنما أيضًا للخبز، الذي يمثل بالنسبة لكثير من الأسر محدودي الدخل خط الدفاع الأول في مواجهة الغلاء.
وبينما تؤكد الحكومة أن قرارات الاستبعاد تستند إلى معايير تستهدف توجيه الدعم لمستحقيه، يرى مواطنون أن بعض هذه المعايير لا تعكس أوضاعهم المعيشية، وأنها تعاملت مع امتلاك سيارة أو إلحاق الأبناء بمدرسة خاصة باعتبارهما دليلًا على الثراء، رغم أن الواقع مختلف تمامًا.
“ذنبنا إننا حاولنا نعلّم ابننا”
لم تكن السيدة (ن.م)، التي تعمل بإحدى الشركات الخاصة، تتوقع أن يتحول قرارها بإلحاق ابنها بمدرسة خاصة منخفضة المصروفات إلى سبب لحرمان أسرتها من الدعم التمويني والخبز.
تقول السيدة، التي فضلت عدم ذكر اسمها، إن زوجها خرج إلى المعاش، بينما تعمل هي براتب محدود، وتعول الأسرة ثلاثة أبناء؛ طالبة جامعية، وأخرى في الثانوية العامة، وطفل في المرحلة الابتدائية.
وتوضح أنها كانت تأمل في ضم أبنائها إلى بطاقة التموين، لكنها فوجئت مع بداية الشهر الجاري بإيقاف البطاقة بالكامل.
وتضيف: “لما دخلنا على مصر الرقمية عرفنا إن سبب الإيقاف إن ابني في مدرسة خاصة.”
وتؤكد أن اختيار المدرسة الخاصة لم يكن رفاهية، وإنما جاء بعد تجربة وصفتها بالصعبة مع التعليم الحكومي، دفعتها إلى البحث عن مدرسة أقل كثافة وأكثر استقرارًا، حتى وإن تحملت الأسرة أعباء مالية إضافية.
وتقول: “ابني مش في مدرسة دولية، ومصروفات المدرسة حوالي 14 ألفًا و500 جنيه في السنة، وبقضي السنة كلها أدخل جمعيات علشان أوفر المصاريف.”
وتضيف بحسرة: “هو ذنبنا إننا حاولنا نعلّم ابننا؟”
لكن أكثر ما يؤلمها، بحسب قولها، ليس فقدان السلع التموينية فقط، وإنما وقف صرف الخبز المدعم أيضًا.
وتتابع: “حتى لو كانوا شالوا التموين، كانوا يسيبوا لنا العيش. هجيب كل يوم عيش بـ30 أو 40 جنيه منين؟”
“اشتريت عربية أشتغل عليها… اتحذفت”
أما وليد إبراهيم، وهو أخصائي نفسي بإحدى المدارس، فيؤكد أن امتلاكه سيارة لم يكن دليلًا على تحسن أوضاعه المادية، وإنما وسيلة للعمل.
يقول وليد إنه لا يعتمد على راتب وظيفته فقط، بل يعمل أيضًا مديرًا للحسابات في محل لملابس الأطفال، ثم يقضي ساعات يوميًا في قيادة سيارته عبر أحد تطبيقات النقل الذكي، حتى يتمكن من سداد أقساط السيارة وتوفير احتياجات أسرته.
ويضيف: “أنا من المدرسة على الشغل التاني، وبعدها أشتغل على العربية لحد آخر الليل.”
ويشير إلى أن شراء السيارة جاء بعد سنوات من الادخار، لتقليل نفقات المواصلات ونقل أبنائه إلى مدارسهم بمدينة 15 مايو، إلى جانب استخدامها كمصدر دخل إضافي.
ويقول: “العربية بالنسبة لي شغل، مش رفاهية.”
ورغم ذلك، فوجئ باستبعاده هو وزوجته من منظومة الدعم التمويني والخبز.
ويتساءل: “إذا كانت العربية هي مصدر رزقي، فهل امتلاكها معناه إني بقيت مش محتاج للدعم؟”
“نفسي أعرف السبب”
وفي منزل آخر، لا تختلف مشاعر سعاد عبدالله كثيرًا عن غيرها، لكنها تحمل سؤالًا واحدًا لم تجد له إجابة حتى الآن.
سعاد، وهي موجهة سابقة بوزارة التربية والتعليم، خرجت إلى المعاش بعد أكثر من ثلاثين عامًا من العمل، وكانت تستفيد من بطاقة تموين لفرد واحد فقط.
تقول إنها فوجئت مع بداية الشهر الجاري بإيقاف البطاقة دون إخطار أو تفسير.
وتضيف: “أنا أصلاً فرد واحد على البطاقة، وكل اللي كنت باخده كيلو سكر وزجاجة زيت، مع الخبز.”
وتتساءل: “هل ده كتير على واحدة أفنت عمرها في شغلها؟”
وتؤكد أن ما يؤلمها ليس فقط توقف الدعم، وإنما غياب تفسير واضح لأسباب الاستبعاد.
وتقول: “أنا مش بطلب حاجة زيادة… أنا بس عايزة أعرف ليه اتحذفت.”
قصص مختلفة… وتساؤل واحد
ورغم اختلاف ظروف الأسر الثلاث، فإن القاسم المشترك بينها هو شعورها بأن قرار الاستبعاد لم يراعِ تفاصيل أوضاعها الاقتصادية، وأن بعض المؤشرات المستخدمة لا تعكس دائمًا حقيقة مستوى المعيشة.
وفي المقابل، تؤكد وزارة التموين أن قرارات الاستبعاد لا تصدر بصورة عشوائية، وإنما تستند إلى قواعد بيانات رسمية ومؤشرات متعددة لقياس القدرة الاقتصادية، مع اتاحة التظلم لمن يرى أنه مستحق للدعم.
ويبقى السؤال مطروحًا: هل تكفي المؤشرات الرقمية وحدها للحكم على احتياج الأسر، أم أن بعض الحالات تستلزم مراجعة أكثر مرونة توازن بين ترشيد الدعم وعدم حرمان أسر ما زالت تعتمد عليه في تأمين احتياجاتها الأساسية؟!..

التعليقات متوقفه