فتش عن الفقر..”شهداء لقمة العيش”..ليسوا ضحايا طريق فقط.

5

عمالة غير منتظمة وأجور يومية هزيلة..

  • الفقر يدفع النساء والأطفال إلى الحقول ..ويجعل «عربية الترحيلات» خيارا لا يملكون رفضه
  • معالجة حوادث العمالة الزراعية لا يمكن فصلها عن قضية الفقر والحماية الاجتماعية

 

لم تبدأ مأساة عمال الزراعة عندما انقلبت سيارة أو اصطدمت بأخرى، وإنما بدأت قبل ذلك بكثير.. في بيت فقير يبحث عن مصدر دخل، وفي قرية لا توفر فرص عمل كافية، وفي أسرة أصبح فيها خروج المرأة أو الطفل إلى العمل ضرورة لا رفاهية، هنا يصبح الطريق إلى الحقل جزءًا من معركة البقاء.

عاملة تخرج مع الفجر لتعود في نهاية اليوم بمئة جنيه أو 150 جنيها، وأسرة تدفع أبناءها إلى سوق العمل لتوفير الطعام والعلاج ومستلزمات الحياة، وعمال موسميون لا يملكون عقد واضح ولا وسيلة تفاوض ولا مظلة حماية تأمينية، يتم نقلهم في سيارة متهالكة حيث يبحث مقاول الأنفار عن أرخص وسيلة للنقل، وبالتالي فإن وقوع الكارثة يصبح مسألة وقت.

150 جنيه.. أجر يوم كامل

تتراوح أجور العاملات الزراعيات بين 100 و150 جنيها يوميا، مقابل ساعات عمل قد تمتد إلى 12 ساعة.

ورغم ضآلة هذا الدخل، فإنه بالنسبة إلى أسرة فقيرة قد يمثل الفارق بين توفير احتياجات أساسية أو العجز عن تدبيرها.

ولهذا لا تستطيع العاملة  أن ترفض  ركوب الميكروباص أو عربية النقل حتى وإن كانت متهالكة و غير آمنة ،ولا يستطيع العامل أن يرفض العمل لأن وسيلة الانتقال غير مناسبة، لانه فى هذه الحالة  يفقد أجر اليوم ويتم  استبداله باخر بكل سهولة..وهكذا يتحول الفقر من مشكلة اقتصادية إلى عامل مباشر في زيادة المخاطر التي يتعرض لها العمال.

فتش عن الفقر

يقول الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني إن معالجة حوادث العمالة الزراعية لا يمكن فصلها عن قضية الفقر والحماية الاجتماعية، مشيرًا إلى الفجوة بين أعداد الأسر الفقيرة وأعداد المستفيدين من برامج الحماية.

ويشير إلى أن برنامجَي تكافل وكرامة يستفيد منهما نحو 4.6 مليون مستفيد، في الوقت الذي يبلغ فيه عدد الأسر في مصر نحو 26.5 مليون أسرة منهم نحو    9.3 مليون اسرة فقيرة وبالتالي فإن تكافل وكرامة لا يغطي إلا نصف الأسر الفقيرة فقط بينما 50% من الاسر الفقيرة لا توجد لديها أي مظلة للحماية الاجتماعية.

وبغض النظر عن اختلاف تقديرات معدلات الفقر ، فإن النتيجة الأهم التي تكشفها حوادث العمالة الزراعية هي أن الفقر يدفع بعض الأسر إلى الاعتماد على العمل غير المنتظم كمصدر رئيسي  للدخل.

وفي هذه الحالة، لا يعود خروج المرأة أو الطفل إلى الحقل اختيار ، وإنما يصبح جزءا من اقتصاد الأسرة.

النساء في قلب الأزمة

العمالة الزراعية غير المنتظمة تضم أعداد كبيرة من النساء، خاصة في القرى والمناطق الريفية.

العاملات الزراعيات، اللاتى يطلق عليهن “عاملات التراحيل” يواجهن ظروف عمل شديدة القسوة..وبحسب الأرقام الرسمية يصل عدد العاملات الريفيات إلى نحو 3.2 مليون امرأة، مع صعوبة الوصول إلى رقم دقيق بسبب طبيعة هذه العمالة غير المنتظمة، فضلًا عن عدم احتساب بعض الفئات العمرية التى تتراوح أعمارهن بين 11 و17 عام.

كما تشير دراسة ” د. حسنين كشك “خبير بالمركز القومى للبحوث الإجتماعية والجنائية بعنوان”نساء منسيات وحقوق مهدرة ” إلى أن عدد العاملات في الزراعة بدون أجر ولدى الغير بأجر يصل إلى نحو 6 ملايين.

وتشير الدراسة إلى أن جزءا من عمل المرأة الريفية لا يظهر بصورة واضحة في الإحصاءات الرسمية، إذ يدرج قسم من النساء تحت مسمى متفرغات للمنزل رغم قيامهن بأعمال زراعية أو إنتاجية.

وتكشف الدراسة عن اعتماد عدد كبير من العاملات على دخولهن لإعالة أسرهن إذ تعول 59% منهن أبناءهن، بينما تعول 25% آباءهن وأمهاتهن، و14% أخواتهن.

ظروف عمل قاسية

تتعرض العاملة الزراعية للموت سحقا على الأسفلت أو غرقا فصندوق الموت المسمى بعربية الترحيلات أو الميكروباص الذى يحملهن للمزارع ليس بها ادنى شرط من شروط الامان يشحن فيها مقاول الأنفار الفتيات ويقودها السائق بسرعة جنونية وتتكرر الحوادث بشكل دورى خاصة فى مواسم زرع المحصول وحصاده.

العمالة غير المنتظمة.. بلا عقد ولا أمان

العامل الزراعي غالبا ما يعمل بشكل موسمي وغير منتظم، وقد يصل إلى الحقل من خلال وسيط أو مقاول أنفار، دون علاقة عمل واضحة ومثبتة مع صاحب المزرعة.

وهنا تظهر إحدى أخطر حلقات الأزمة: غياب العلاقة الواضحة بين العامل وصاحب العمل.

غياب الوعي التأميني

يرى الخبير التأميني كامل السيد أن قانون التأمينات والمعاشات رقم 148 لسنة 2019 أدرج بعض فئات العمالة غير المنتظمة، ومنها العاملات المؤقتات في الزراعة، إلا أن التطبيق لا يزال محدودا بسبب ضعف الوعي التأميني، وتعقيد إجراءات الاشتراك، وارتفاع قيمة الاشتراك مقارنة بمستويات الدخول، فضلا عن غياب التنظيم المؤسسي الذي يساعد في حصر العاملات وإدماجهن في المنظومة.

ويشير إلى أن طبيعة العمل الموسمي ورفض بعض أصحاب الأعمال تسجيل العاملات يؤديان إلى بقائهن خارج مظلة التأمينات.

كما يرى أن قيمة الاشتراك الشهري، التي تبلغ 243 جنيهًا وفق البيانات الواردة في التحقيق، تمثل عبئًا على النساء منخفضات الدخل، خاصة مع عدم انتظام دخولهن.

وتظل المشكلة الأكبر في الوصول الفعلي إلى الحقوق، فالعامل الذي لا يملك عقدا واضحا، أو يعمل من خلال وسيط، أو لا يعرف اصلا أنه مشمول بالتأمين، قد يجد صعوبة في إثبات علاقته بالعمل بعد وقوع الكارثة.

«الحرام» لم ينته

قبل أكثر من نصف قرن، قدم يوسف إدريس في رواية «الحرام» صورة قاسية لمعاناة العاملات الريفيات وعاملات التراحيل.

ورغم تغير الزمن وتطور القوانين، فإن هذه المعاناة لا تزال مستمرة…المرأة الريفية التي تخرج قبل شروق الشمس، وتعمل ساعات طويلة في الحقول، ثم تستقل سيارة غير آمنة للعودة إلى منزلها، لا تزال تواجه منظومة من المخاطر الاقتصادية والاجتماعية والعملية.

الفارق أن مأساة الأمس كانت تروى في صفحات الأدب،وتجسد على شاشات السينما بينما تظهر مأساة اليوم في صفحات الحوادث، وفي صور السيارات المحطمة، وفي قوائم الضحايا.

الفقر وعمالة الأطفال

الحوادث المتكررة كشفت وجود أطفال داخل السيارات التي تنقل العمال الزراعيين، بعضهم في أعمار لا تتناسب مع طبيعة العمل ولا مع مخاطره.

وتؤكد لمياء لطفي أن الفقر وتسرب الأطفال من التعليم يمثلان من أهم أسباب عمالة الأطفال، خاصة مع ارتفاع نفقات التعليم وبعد المدارس عن بعض القرى، ما يدفع الأسرة الفقيرة إلى البحث عن مصدر دخل إضافي.

فالطفل الذي يترك المدرسة للعمل اليوم، قد يخسر فرصته في الحصول على عمل آمن ومستقر غدًا، وتصبح الأسرة أكثر اعتمادًا على العمل غير الرسمي.

المفارقة أن هؤلاء العمال لا يواجهون المخاطر فقط داخل الحقول، وإنما تبدأ المخاطرة منذ لحظة انتقالهم من القرية إلى مكان العمل

فإذا كانت وسيلة النقل غير آمنة، والأجر منخفضا، وساعات العمل طويلة، والعلاقة مع صاحب العمل غير واضحة، والحماية التأمينية محدودة، فإن العامل يجد نفسه أمام منظومة كاملة من المخاطر.

الحماية الاجتماعية ليست رفاهية

يرى إلهامي الميرغني أن مواجهة هذه الحوادث تتطلب ربط سياسات الحماية الاجتماعية بمشكلة الفقر وعمالة الأطفال، وعدم التعامل مع كل حادث باعتباره واقعة منفصلة.

فإذا كانت الأسرة تحتاج إلى خروج المرأة والطفل للعمل حتى توفر احتياجاتها الأساسية، فإن تشديد العقوبات على تشغيل الأطفال أو مطالبة العامل باستخدام وسيلة نقل آمنة وحده لن يحل المشكلة.

معالجة جذور الأزمة.

توفير حماية اجتماعية تصل بالفعل إلى الأسر الأكثر احتياجًا، وتوسيع فرص العمل الآمن، وتنظيم العمالة الزراعية غير المنتظمة، وإدخالها بصورة حقيقية إلى منظومة التأمينات، كلها إجراءات لا تقل أهمية عن الرقابة على الطرق.

لأن منع حادث واحد قد ينقذ حياة، لكن معالجة الفقر قد تمنع آلاف العمال من الاضطرار إلى قبول الخطر من الأساس.

وفى النهاية فإن شهداء لقمة العيش”..ليسوا ضحايا طريق فقط، بل هم ضحايا منظومة اقتصادية واجتماعية تجعل الإنسان أحيانًا مضطرا إلى الاختيار بين أجر يومه وسلامة حياته..

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy