حقوق مؤجلة..عاملات المنازل بين الاستغلال وغياب الحماية القانونية

14

 دار الخدمات النقابية : حماية العمالة المنزلية تبدأ بإقرار القانون والتصديق على الاتفاقية 189

 

كريمة الحفناوي: حرمة المنازل ليست مبررا لاستبعاد العاملات من الحماية القانونية

إلهامي الميرغني: غياب القانون يفاقم الاستغلال ويحرم العاملات من أبسط حقوقهن

سامية خضر: الحماية القانونية وحدها لا تكفي.. تأهيل العاملات وبناء الثقة أساس تنظيم المهنة 

 

تحقيق: نجوى إبراهيم 

كل صباح.. تغادر آلاف النساء منازلهن يتوجهن إلى منازل أخرى، يحملن على عاتقهن مسؤلية تنظيف البيوت ورعاية الأطفال وخدمة كبار السن، مقابل أجر غالبا ما يكون محدودا. وبينما يقضين ساعات طويلة في العمل، يبقى السؤال: من المسئول عن حمايتهن إذا تعرضن للعنف أو الاستغلال؟!.. ومن يضمن لهن الحق في التأمين الصحي أو المعاش بعد سنوات من الخدمة ؟..

رغم أن عاملات المنازل يشكلن شريحة واسعة من سوق العمل غير الرسمي في مصر، فإنهن ما زلن خارج مظلة قانون العمل.. يعملن بلا عقود تنظم العلاقة مع أصحاب المنازل، ولا ضمانات تكفل لهن الأجر العادل أو ساعات العمل أو الإجازات أو الحماية الاجتماعية..

 وفي المقابل يواجه أصحاب المنازل أيضا غياب إطار قانوني واضح ينظم حقوق وواجبات الطرفين…وبين دعوات حقوقية تطالب بإقرار قانون يحمي هذه الفئة، وأصوات ترى أن تنظيم المهنة يجب أن يبدأ بالتأهيل والتدريب وبناء الثقة، يبقى مشروع قانون حماية عاملات المنازل حبيس الأدراج منذ سنوات..

 استمرار الفراغ التشريعي وغياب عقود عمل رسمية تنظم العلاقة بين العاملات وأصحاب المنازل أدى إلى تفاقم الانتهاكات التي تتعرض لها العاملات في هذه المهنة ، وتكرار وقائع الاعتداء، التي تتمثل أحيانا في الضرب والإيذاء البدني والتحرش اللفظي والجسدي، وصولا في بعض الحالات إلى الاعتداء الجنسي..

وفي ظل غياب قانون يوفر الحماية وآليات واضحة للمساءلة، تتحول بيئة العمل داخل بعض المنازل إلى مساحة مغلقة يصعب فيها رصد الانتهاكات أو محاسبة مرتكبيها، بينما تعيش آلاف العاملات معاناة يومية تتضاعف بسبب الوصم المجتمعي المرتبط بمهنة ” الخدمة في البيوت”..

قانون ينتظر البرلمان 

فى عام 2002 تقدمت دار الخدمات النقابية والعمالية بمشروع قانون متكامل لتنظيم العمالة المنزلية، وتقدم به 64 نائبا إلى مجلس النواب

 إلا أنه لم يدرج للمناقشة حتى الآن، رغم تناوله جميع الجوانب المنظمة للعلاقة بين العاملين والعاملات المنزليين وأصحاب العمل.

استند مشروع القانون إلى دراسة ميدانية أعدتها الدار عام 2021، كشفت عن استمرار استبعاد العمالة المنزلية من مظلة قوانين العمل، بما في ذلك قانون العمل رقم 14 لسنة 2025، وهو ما جعلها أكثر عرضة للاستغلال وسوء المعاملة وغياب الضمانات القانونية.

كما استند مشروع القانون إلى مبادئ العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية، ويتوافق مع عدد من الاتفاقيات الدولية، وفي مقدمتها الاتفاقية رقم (189) الصادرة عن منظمة العمل الدولية بشأن العمل اللائق للعمالة المنزلية، إلى جانب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، واتفاقية حقوق الطفل.

دعت الدار وزارة العمل إلى تبني حوار مجتمعي حقيقي يضم النقابات العمالية ومنظمات المجتمع المدني والجهات ذات الخبرة في هذا الملف، لضمان خروج قانون يعكس احتياجات العاملات والعاملين في المنازل ويتوافق مع المعايير الدولية.

وكانت منظمة العمل الدولية قد صنفت العمالة المنزلية في ثلاثة أنواع: من يعمل في المنزل فقط، ومن يعمل ويعيش في المنزل الذي يؤدى فيه عمله، والعمالة التي تعمل بدوام كامل أو جزئي، ومنهم الأطفال العاملين في المنازل.

وجاءت الاتفاقية رقم 189 لتنص على أنه يجب الاتفاق مع العمال على الأعمال التي سيقومون بها بطريقة واضحة، من خلال عقد مكتوب. على أن تلتزم العمالة المنزلية بساعات العمل المحددة فقط. أما إذا زادت ساعات العمل عن الساعات المحددة فيجب أن يحصل العامل على تعويض عن العمل الإضافي. ذلك بالإضافة إلى فترات الراحة اليومية والأسبوعية. كما أن للعامل الحق فى إجازة سنوية مدفوعة بأجر كامل. وأيضًا استيفاء الحد الأدنى للسن والأجر، حسب قوانين كل دولة. كما أن الأجور يجب أن تدفع نقدًا، وإن جاز أن يكون جزءا من الراتب فقط أشياء عينيه.

 خارج القانون 

من جانبها أكدت الدكتورة كريمة الحفناوي، الناشطة السياسية وعضو الجبهة الوطنية لنساء مصر، أن المنظمات الحقوقية والنسوية، إلى جانب المدافعين عن حقوق العمال وأمانات العمال بالأحزاب، طالبت خلال مناقشات مشروع قانون العمل بإدراج العاملات في المنازل ضمن الفئات التي يشملها القانون، لضمان تمتعهن بالحماية القانونية أسوة بباقي العاملين، موضحة أن هذه المطالب استندت إلى ما تتعرض له العاملات من انتهاكات متعددة.

 حرمة المنازل..هل تمنع الحماية؟

وأضافت أن الجهات المعنية بررت استبعادهن باعتبار أن العمل داخل المنازل يمثل “حالة خاصة”، وأن العلاقة بين العاملة وصاحب المنزل تندرج ضمن خصوصية الحياة الأسرية ” حرمة المنازل” ، مؤكدة أن هذا الامر لا يبرر حرمان آلاف العاملات من حقوقهن الأساسية.

ورفضت د. كريمة الاستناد إلى خصوصية المنازل كمبرر لغياب التشريع، مؤكدة أن هذا الطرح أدى عمليا إلى ترك العاملات عرضة للاستغلال والانتهاكات دون أي مظلة قانونية.

وأضافت أن الأمر لا يقتصر على حرمان النساء من حقوقهن، بل يمتد إلى استمرار ظاهرة عمالة الأطفال، إذ تضطر بعض الأسر، تحت وطأة الفقر، إلى الدفع بفتيات صغيرات للعمل في المنازل، حيث يتعرضن أحيانا للعنف أو التعذيب وسوء المعاملة ويتقاضين أجورا زهيدة، في مخالفة صريحة لقوانين العمل وحماية الطفل.

  تجاهل الاتفاقيات الدولية

وأشارت إلى أن من أسباب استمرار الأزمة عدم تصديق مصر على اتفاقية منظمة العمل الدولية الخاصة بالعمل اللائق للعمال المنزليين.

ففي يونيو 2011 أصدرت منظمة العمل الدولية اتفاقية 189 بشأن “العمل اللائق لعاملات المنازل”، و الرغم من المطالبات المستمرة والمناشدات للحكومة المصرية بالتوقيع على هذه الاتفاقية الدولية، خاصة وأن الدستور المصري ينص صراحة على أن الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي توقع عليها الدولة تعد جزءا لا يتجزأ من التشريع والدستور،وبالتالي فإن التصديق على الاتفاقية يلزم الدولة بتوفير الحماية الاجتماعية والتأمين الصحي، وضمان الأجر العادل، وتنظيم ساعات العمل والإجازات، وإلزام أصحاب العمل بعقود رسمية تحفظ حقوق الطرفين، فضلا عن فرض عقوبات رادعة على مرتكبي الانتهاكات، إلا أن هذه الاتفاقية لم تصدق عليها مصر حتى الآن.

مشروع قانون حبيس الأدراج 

وأكدت د. كريمة الحفناوي أن من أبرز التحديات التي تواجه قضية العاملات في المنازل هي عدم انتباه الدولة والحكومة والبرلمان لهذا الملف الحيوي بالشكل الكافي.

فالأزمة ممتدة منذ سنوات، لافتة إلى أن مشروع قانون حماية عاملات المنازل، تقدمت به النائبة نشوى الديب خلال الفصل التشريعي (2015-2020)،ولا يزال حبيس الأدراج ولم يناقش حتى الآن، رغم مرور دورة برلمانية كاملة وبداية دورة جديدة.

واعتبرت أن استمرار تأجيل مناقشة المشروع يعكس غياب الاهتمام الحكومي والبرلماني بهذا الملف، رغم ما يمثله من أهمية اجتماعية وإنسانية.

غياب نقابة مستقلة 

وفيما يتعلق بالحقوق النقابية، قالت د. كريمة الحفناوي: إن العاملات في المنازل من أكثر الفئات حرمانا من التنظيم النقابي، مؤكدة أن أي فئة لا تستطيع الدفاع عن حقوقها دون كيان منتخب يمثلها.

وأضافت أن قانون المنظمات النقابية الصادر عام 2017 أقر بحق العمال في التنظيم النقابي، إلا أن هذا الحق لم يفعّل بالنسبة للعاملات في المنازل وايضا أصحاب المعاشات، وهو ما يعد مخالفة لمعايير منظمة العمل الدولية.

ساعات عمل طويلة بلا ضمانات

وأوضحت الحفناوي أن قانون العمل الحالي ينظم ساعات العمل، وفترات الراحة، والحد الأدنى للأجور، ويحظر تشغيل الأطفال، إلا أن هذه الضمانات لا تمتد إلى العاملات في المنازل.

 دعوة لإقرار التشريع

وانتهت حديثها مشددة على ضرورة الإسراع بإقرار التشريع الخاص بهذه الفئة، والتصديق على اتفاقية منظمة العمل الدولية لحفظ كرامة آلاف النساء اللاتي يعملن في هذا القطاع.

ملايين بلا ضمانات 

وأوضح الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني أن آخر بيانات بحث القوى العاملة بالعينة لعام 2024 تشير إلى وجود نحو 250 ألف عاملة منزلية في مصر، في حين تضم مصر نحو 6 ملايين أسرة تعولها نساء، ويقدر عدد النساء المعيلات بأكثر من 12 مليون سيدة، تعمل نسبة كبيرة منهن في وظائف غير مستقرة تفتقر إلى عقود عمل رسمية والحماية الاجتماعية.

وأوضح أن غالبية العاملات في المنازل لا يتمتعن بتأمينات اجتماعية أو صحية، بينما يعتمد جزء منهن على معاش “تكافل وكرامة”، الذي يقل كثيرا عن الحد الأدنى للأجور، بالإضافة إلى عملهن في بيئة تفتقر إلى وسائل السلامة المهنية، ما يجعلهن أكثر عرضة للإصابات والأمراض والعجز المبكر.

وأضاف الميرغني أن استمرار غياب التشريع المنظم للعمالة المنزلية يفتح الباب أمام الاستغلال والفصل التعسفي والعنف، ويجبر الكثيرات منهن على قبول أي شروط عمل تحت ضغط الحاجة، لافتا إلى أن مصر لم تصدق حتى الآن على اتفاقية منظمة العمل الدولية الخاصة بالعمالة المنزلية.

وأشار إلى وجود تفاوت كبير في الأجور، حيث تتراوح الأجرة اليومية ولهذه الفئة بين 200 و700 جنيه، ما يدفع أغلب العاملات إلى العمل في أكثر من منزل خلال اليوم الواحد، الأمر الذي يستنزف صحتهن، خاصة أن معظمهن يعدن بعد انتهاء العمل لتحمل مسؤوليات أسرهن.

وأضاف أن العاملة إذا تعرضت لإصابة أثناء العمل أو امتنع صاحب المنزل عن سداد أجرها، فإنها لا تملك وسيلة قانونية فعالة لاسترداد حقها، باعتبارها الطرف الأضعف في علاقة العمل، رغم تعاملها اليومي مع مواد كيميائية وأجهزة كهربائية قد تعرض حياتها للخطر.

وأكد إلهامي الميرغني غالبية العاملات مع التقدم في العمر يجدن أنفسهن بلا معاش أو تأمين صحي، بينما لا يمثل “تكافل وكرامة” سوى دعم محدود لا يوفر لهن حياة كريمة أو حماية كافية.

وشدد على أن غياب القانون لا يضر العاملات وحدهن، بل ينعكس أيضا على أصحاب المنازل، مشيرا إإلى أن عدم وجود إطار قانوني واضح ينظم العلاقة بين الطرفين قد يفتح المجال أمام بعض ضعاف النفوس لاستغلال العمل في ارتكاب جرائم كالسرقة أو غيرها، وهو ما يجعل تنظيم المهنة ضرورة لحماية الجميع.

ودعا إلى السماح بتأسيس نقابات تمثل العاملات في المنازل، والتصديق على اتفاقية منظمة العمل الدولية، وإصدار قانون ينظم المهنة، إلى جانب إنشاء آليات واضحة لتلقي الشكاوى وتسوية النزاعات، بما يضمن حماية حقوق جميع أطراف العلاقة.

تجارب دولية 

واستشهد بعدد من التجارب الدولية الناجحة في تنظيم القطاع حيث تقدم دول مثل الفلبين والأردن والكويت والإمارات نماذج لتنظيم العمالة المنزلية من خلال عقود عمل، وتحديد ساعات العمل، والإجازات، والتأمينات الاجتماعية،وتنظم السعودية العلاقة التعاقدية عبر لائحة خاصة ومنصة “مساند” الإلكترونية.

وأكد الميرغني على أن استمرار تأخر إصدار القانون سيؤدي إلى تفاقم المشكلات الصحية والمهنية التي تواجهها عاملات المنازل، ويزيد من تعرضهن وأسرهن للفقر وانعدام الأمان الاجتماعي، مشيرا إلى أن إصدار تشريع ينظم هذا القطاع بات ضرورة لتوفير الحماية القانونية والاجتماعية لهذه الفئة.

التأهيل قبل التشريع

من جانبها أكدت الدكتورة سامية خضر أستاذ علم الاجتماع، أن الحديث عن حماية عاملات المنازل لا ينبغي أن يقتصر على إصدار التشريعات، بل يجب أن يسبقه إعداد وتأهيل مهني يضمن كفاءة العاملات ويعزز الثقة بينهن وبين أصحاب المنازل.

وأوضحت إن القضية لا تتعلق بحقوق العاملات وحدهن، وإنما تتطلب تحقيق توازن بين حقوق العاملات وحقوق الأسر، قائلة : “قبل أن نطالب بقوانين تحمي العاملات، يجب أن نضمن تأهيلهن وتدريبهن على طبيعة العمل داخل المنازل، بما يعزز شعور أصحاب المنازل بالأمان والثقة، فكما نطالب بحقوقهن يجب أيضا التأكيد على الالتزام بالأمانة والواجبات المهنية.

نماذج ناجحة 

واستشهدت خضر بتجربة كندا، حيث تعمل العمالة المنزلية وفق منظومة مهنية واضحة، تقوم على التدريب والتنظيم، بما يمكن العاملة من أداء مهامها بكفاءة واحترافية، دون الحاجة إلى رقابة مستمرة، وفي إطار من الثقة المتبادلة بينها وبين أصحاب المنازل.

كما أشارت إلى وجود مبادرات سابقة في مصر هدفت إلى إنشاء مكاتب متخصصة لتأهيل العاملات، مع التركيز على غرس قيم الأمانة والانضباط المهني قبل إلحاقهن بسوق العمل.

غياب العقود يفاقم المخاوف

ولفتت إلى أن غياب العقود الرسمية المنظمة للعلاقة بين العاملات وأصحاب المنازل يخلق حالة من القلق لدى الطرفين، خاصة فيما يتعلق بحماية الممتلكات، وتحديد ساعات العمل، والحقوق والواجبات.

وأكدت أن الاعتماد على كاميرات المراقبة أو متابعة العاملة بشكل دائم لا يمثل حلًا حقيقيا، مشيرة إلى أن الحل يكمن في إنشاء شركات أو مؤسسات معتمدة تتولى تنظيم المهنة، واختيار العاملات، وتأهيلهن، وتحديد الأجور وساعات العمل، بما يضمن حقوق جميع الأطراف.

مأسسة المهنة ضمان للاستقرار

وشددت على أن حماية عاملات المنازل يمثل خطوة ضرورية، لكنها لن تحقق أهدافها ما لم تقترن بمأسسة المهنة وتنظيمها بشكل احترافي، معتبرة أن بناء الثقة، وتحديد المسؤوليات، والتأهيل الجيد، هي الركائز الأساسية التي ينبغي أن تواكب أي تشريع قانوني، بما يحقق الاستقرار ويحفظ حقوق العاملات وأصحاب المنازل على حد سواء.

وبين قانون ينتظر المناقشة، وآلاف العاملات اللاتي يواصلن العمل بلا عقود أو تأمينات، يبقى السؤال: متى تتحول الوعود إلى تشريع يحمي العاملات وأصحاب المنازل معا؟!

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy