ضد التيار ..أمينة النقاش تكتب :هزة الزلزال وثبات الحكومة

44

خطابان رئاسيان متناقضان،أحدهما لرئيس الدولة والثانى لرئيس الحكومة. خطاب رئاسى يدعو لضبط الأسواق وضبط الأسعار وتعزيز العدالة الاجتماعية وحماية الفئات الأكثر احتياجا، وخطاب وزارى يحمل للمصريين يوما بعد آخر قنابل موقوتة تلقى جزافا على بركان اجتماعى مازال حتى اللحظة خامدا يعلن بكل تفصيلة منه، موت السياسة، وانفلات الأسواق، وارتفاع شبه يومى للأسعار، وتحديا لا يخفى على أحد، للتجار ومحتكري السلع، للدولة وكل مؤسساتها، وتجاهلا رسميا يبدو متعمدا لهؤلاء المحتكرين، وربما خوفا منهم.وبينما الالتفاف الشعبى لمساندة الدولة المصرية ودعم خطتها لمعالجة نتائج ضرب ميناء دمياط ظاهر للعيان، خرجت علينا رئاسة الحكومة بقرار موجع برفع سعر الكهرباء للاستهلالك المنزلى بأثر رجعى بنسبة 12 %فى أقسى شهور الصيف وأكثرها ارتفاعا فى الحرارة، بعدما كانت أسعار الوقود والغاز قد ارتفعت فى مارس الماضى بنسب تتراوح بين 14% و30%.

من حسن الحظ أن منّ العلى القدير علينا، بألا تتجاوز هزة زلزال فجر الاثنين، 5،5 على مقياس ريختر وأن تنحسر خسائره فى بضعة أضرار طفيفة، مجنبا مصر وأهلها وحكومتها، الخسائر الفادحة فى الأوراح والبنية التحتية كتلك التى أحدثها فى وضح النهار زلزال1992 الذى بلغت قوته 5،9 درجة، فضلا عن هزاته الارتدادية العنيفة .لكن الحكومة لاتزال رغم زلزال الكون وهشاشة الواقع الاجتماعى تتمسك بالسياسية الاقتصادية التى عززت من التفاوت الاجتماعى وأحدثت خللا فى البنية الاقتصادية، زاد الهوة بين الفقراء والأثرياء، وأضعف تكافؤ الفرص، حين منح الأغنياء فرصا لصنع القرار ليصبح بذلك مشكوكا فى نزاهته وقدرته على الإنصاف، ريثما جعلت سياسات الحكومة، الثروة معيارا للمكانة والصعود الاجتماعيين، وساهمت فى خلق ظواهر قبيحة تتصدرها حالة الفشخرة الاجتماعية، والتباهى القبيح بالثراء والتملك والترف الاستهلاكى.

وقبل أيام طمأنت الحكومة نفسها، وبثت الذعر فى نفوس مواطنيها وهى تبشرهم برضاء صندوق النقد الدولى عن سياساتها بما يسهل صرف 1،8 مليار دولار لمصر لالتزامها بمرونة فى أسعار الصرف، ورفع سعر الوقود والطاقة، وخفض الانفاق الحكومى على الخدمات العامة، وسرعة التخارج من بعض قطاعات ملكية الدولة، ومواصلة الاصلاحات الهيكلية لتعزيز دور القطاع الخاص وجذب الاستثمارات وتحقيق التوازن المالى.أما التوزان الاقتصادى الذى يحفظ حقوق جميع الأطراف، فألف رحمة ونور عليه، لأن الحكومة اعتبرت قرار المجلس التنفيذى لصندوق النقد الدولى “تأكيدا على سلامة مسار الاصلاح الاقتصادى” وتعهدت بمواصة تنفيذ المطلوب، لما يسمى الاصلاحات الهيكلية، بصرف النظر عن الأضرار الناجمة عنها، وفى القلب منها، خفض الانفاق على الخدمات العامة التى تهبط بمستويات معيشة غالبية المواطنين، واعتبار ذلك مجرد تضحية بسيطة لكى ينمو الاقتصاد، فضلا عن الاخفاق الاقتصادى الناجم عن السياسات المالية بما انطوى عليه من تزايد الديون وارتفاع تكلفة فوائدها، والسماح لقوة الثروة بفرض شروطها ومصالح أصحابها على الدولة والمجتمع!

لنأخذ من كتب التاريخ خبرتها، وهى تروى عن مظاهر البذخ والسفه لدولة المماليك، وكيف أذاق سلاطين المماليك المصريين ويلات حكمهم، وهم يتحكمون فى شئون الدولة، ويتعاملون معها كعزبة خاصة، ويوزعون مناصبها على أنفسهم ومناصريهم، وينهبون خزائنها. وفى عصر السلطان المملوكى “قايتباى” دعا إلى اجتماع مع العلماء والقضاة، تحدث فيه عن تهديد وشيك لسلطنته من قبائل تركمانية. وفى الاجتماع أعلن السلطان أنه يطلب من الحضور الموافقة على فرض ضرائب ورسوم جديدة على التجار والحرفيين وأصحاب الأراضى وعموم أهل مصر لتمويل حملة عسكرية لصد الغزاة، فوافق العلماء. لكن القاضى “شمس الدين الأقصرائى” اعترض على تلك الموافقة وقال وهو يخاطب السلطان، لا يحق لك فرض ضرائب جديدة، إلا فى حالة نفاد فلوس بيت المال، فإذا نفدت يؤخذ من فائض الأغنياء وحلى النساء، وإذا ما نُظر إلى عموم الناس، فليؤخذ غير الضرورى، ويترك لهم الضرورى.

لام قايتباى القاضى على رفضه، فرد عليه قائلا: إننا نخشى إن سألنا الله يوم القيامة، لم لا نهيتموه عن ذلك ؟ فتراجع السلطان قيتباى عن قراره، فأين منا من يجدد صحية القاضى شمس الدين لحكومتنا لكى يقول لها: إننا نخشى أن يسألنا الله يوم القيامة لما لاتنهونها عن سياساتها التى تقود البلاد من أزمة إلى أخرى، كيفما تقول الحكمة الشعرية: وكلما أثبت الفشل اعتلالها، عادت كمن يرجو الضلال دلالها، لعلها تأخذ الحكمة من موقف السلطان المملوكى !

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy