كثيرة هى المعانى التى عكسها الاستقبال الجماهيرى العبقرى الحميم للفنانة “شيرين عبد الوهاب” فى حفلها الأخير فى العلمين، فى أول ظهور لها منذ أكثر من عامين. وفى هذه السنوات الفائتة، لم يكن اسمها يرتبط فى وسائل الإعلام المختلفة فى الأغلب الأعم، إلا بالأزمات والمرض والألم، فضلًا عن الحسرة التى ملأت قلوب محبيها، خوفا على موهبتها الخصبة من الذبول والتراجع، وافتقادا لصوتها الجميل، الذى احتل مكانا غاليا فى قلوبهم، وشكل مع تواضعها وتلقائيتها وخبرتها الشعبية المتراكة، وحضورها خفيف الظل، ذائقة جمالية غنائية عابرة للأجيال، لم يقتصر تأثيرها على جيل جديد فقط، بل امتد ليصبح الصوت المفضل لأجيال متعددة، تجاوزت فيه موهبتها دور الترفيه، لتصبح وسيلة للتعبير عن أحاسيس ومشاعر، مفردات الحياة اليومية لكل الأجيال.
وكان من اللافت للنظر أن تلك الحشود قد ضمت فى المسرح جميع الأجيال، رجالا ونساء، شبابا وشيوخا وصبية وأطفالا. ولعل جانبا من دلالات تلك الحشود المؤلفة، التى تجمعت لتغنى مع مطربتها المحبوبة، ولتسعدها وتسعد معها، وتغدو شريكا لها فى الغناء والفرح وحتى فى البكاء، أن تكون رسالة أيضا، من العقل الجماعى الواعى، لمواجهة عالم الظلام ومعاداة الحياة، الذى يشيعه فى أنحاء أرض مصر، الفكر الأصولى المتشدد، الذى فُتحت له كل الأبواب بحرية تامة، لتشكيل العقول والسلوك والأدمغة، فبرطع فى إشاعة مناخ من التزمت والجهل ومعاداة الحياة، ولا يكف ليل نهار عن زرع الفتن، والتحريض على الديانات غير المسلمة، وتحريم الفنون، وتجريمها.
تمسكت الجماهير التى احتشدت من أجل شيرين، فى مسرح “برتو جولف” بمدينة العلمين الجديدة بالمعانى التى أباح لنا بها “بيرم التونسى” وأوصى بها لبهجة الحياة: المغنى حياة الروح، يسمعها العليل تشفيه، وتداوى كبد مجروح، تحتار الأطبا فيه، وتخلى ظلام الليل، فى عيون الحبايب ضى غنى لى غنى وخد عينياى.
لم يكن هدف الجمهور الحاشد، قضاء ليلة صيفية ترفيهية ممتعة، بسماع صوت مطربتهم الحبيبة، بعد غياب طال أمده، بل هو تحرك عاطفى، لبناء عالم من الفهم المشترك، وتشييد علاقة من الألفة المباشرة الفورية مع المطربة العائدة وهى تحمل أوجاعا وهموما. ولعل ذلك قد انطوى على واحدة من أعمق القيم الخلقية فى التراث الشعبى المصرى، وأحد الأسس التى يتشكل عليها البناء لاجتماعى العادل والمنصف والمتوازن، الذى يتجلى فى الفطنة الإنسانية للمصريين، المفطورة على “جبر الخواطر”.
وجبر الخواطر أيقونة سحرية لخلق جسور من التواصل بين الناس، والطبطبة على من انكسرت قلوبهم لأسباب شتى، وتقديم الدعم النفسى لمن يظنون أن ألمهم أبدى، وأن نفوسهم المهشمة لن تقوم لها قائمة، بعدما عصفت بها الأهواء. فالبشر طبقا لفضيلة جبر الخواطر يتعثرون، لكنهم ينهضون حين تحيط بهم مشاعر الود والمحبة الخالصة الصادقة، لتساعدهم على شحذ الإرادة ومقاومة شقاء القلب، وانكسار الروح، ونبذ استعذاب دور الضحية، والتصدى بقوة هذا الدعم، لمن يستغلونهم، ولتذكيرهم بأن الصباح يولد من قلب عتمة الظلام.
فى هذه الاحتفالية، شكل الجمهور والمطربة ثنائيا فريدا للبطولة. الأول لأنه يحمل للثانية ما يؤكد لها رصيدها الهائل من المحبة والعواطف الجياشة فى نفوسهم، والثانية لما أبدته من بطولة خارقة لا تخطؤها عين. فالمطربة الموهوية أتت إلى جمهورها، بعدما تحاملت على مرضها، ولم تخجل من مظاهره، وقبلت بالمحبة وجبر الخاطر، أن تتحدى ضعفها وتغنى مع محبيها. وكلها ألوان من البطولة، تتجاوز مجرد الترفيه، لأنها ترسى قيما جماعية مشتركة، للتماسك الاجتماعى، فما أجمله من ترفيه يرتقى بالنفوس، وما أروعها من قيم تشحذ الهمم، وتغنى والروح.

التعليقات متوقفه