ضد التيار ..أمينة النقاش تكتب :موهبة تهوى فى الظل

78

عندما علمت بقلب فاجع، خبر الرحيل المفاجئ للصديقة الفنانة المطربة “هالة الدبيكى” التى لم تكد تبلغ الخمسين من عمرها، استحضرت ذاكرتى بشكل تلقائى نموذجين، الأول “وجيه أباظة” سليل الأسرة المصرية العريقة، وأحد أعضاء حركة الضباط الأحرار، ورجل ثورة يوليو البارز، صاحب الرؤية التى منحت مصر والمصريين مشاريع ثقافية واقتصادية على أرض الواقع، فى كل مسئولية أُلقيت على عاتقه. وطبقا لمحمد حسنين هيكل، فقد وصفه الرئيس عبد الناصر قائلا “إن وجيه يعيش فى كل مهمة يؤديها، وكل مهمة يؤديها تعيش فيه ..هو أيضا ليس واحدا من هواة المشاكل، وفى كل بحر ألقيته فيه وصل إلى الشاطئ وانتظرنى ..بلا شكوى ولا خطب”.

تولى وجيه أباظة عدة مناصب بينها محافظ الغربية ومحافظ القاهرة، لكن يظل توليه رئاسة محافظة البحيرة نموذجا ملهما لقادة الحكم المحلى ولغيرهم. ساهم فى ذلك طول مدة بقائه بها، التى بلغت ثمانى سنوات فى الفترة من 1960 حتى 1968، فضلا عن أن المحافظة غدت مثالا ناجحا لتنفيذ قانون الحكم المحلى، الذى كان يجرى تطبيقه للمرة الأولى فى البلاد.

جمع وجيه أباظة أطفال الشوارع ودربهم لكى يصبحوا حرفيين مهرة فى مهن مختلفة بينها الفنون، وبنى استاد دمنهور كأول استاد رياضى خارج العاصمة، وشجع الشباب بالتدريب والرعاية لتولى زمام المسئولية، وتنمية قدراتهم القيادية ومساعدتهم بالذهاب إليهم حيث هم، والتنقيب عما يتمتعون به من قدرات. وأدرك بخبرته وثقافته، أن قرى المحافظة تزخر بمواهب فنية وإبداعية واعدة فى مجالات الغناء والرسم والرقص والعزف على الآلات الموسيقية، ولا تحتاج سوى من يتقدم لاكتشافها، ومن ثم تهيئة المناخ لمن يحوزون تلك المواهب والمهارات إلإبداعية للتعبير، ومنحهم الفرصة للظهور والتحقق.

.وفى هذا السياق ظهرت فرقة البحيرة للفنون الشعبية كواحدة من أكبر انجازاته الفنية، وبرز جمالها وإبداعها، الذى استطاع فى أحيان كثيرة أن يسحب من العاصمة أضواءها. تأسست الفرقة عام 1964 من مجموعات من الفتيات والفتيان الموهوبين من قرى المحافظة، وخضعت لتدريبات من قبل خبراء ومتخصصين محليين وسوفيت، فى الرقص والغناء وفنون الفلكور الشعبى والفنون التراثية وفى الكتابة المسرحية والشعرية والقصصية، وأرسل عددا منهم للتدريب والتعلم فى الاتحاد السوفيتى، الذى كان يساهم بجهد بارز، فى بناء نهضة مصر الثقافية والفنية. واستطاعت الفرقة أن تجوب العالم، بعد أن شكلت لنفسها شخصية مميزة، هيأت لها النجاح المبهر فى المحافل المحلية والدولية. ولم يكن لهذه الفرقة أن تفعل ذلك بغير الدعم الذى تم تقديمه، وبغير الجهد الذى بُذل للكشف عن المواهب المغمورة التى أخذت فى السطوع والتحقق.

والصدفة وحدها هى التى منحت المطربة آمال ماهر فرصة الظهور، لكن هذه الصدفة كان يمكن أن تكون عابرة، لولا أن الرئيس مبارك استمع إليها فى إحدى زياراته لمبنى ماسبيرو، فأوصى وزير الإعلام صفوت الشريف بالاهتمام بها وتقديم الدعم اللازم لها، على المستويين المادى والدعائى، فبدأت فى الظهور فى حفلات الأوبرا ومهرجان الموسيقى العربية، وغير ذلك من المحافل. وهذا هو النموذج الثانى الذى حضرنى بقوة مع رحيل هالة الدبيكى، الذى كلل روحى بلفحات من الحزن والدموع والحسرة، وغمرنى بنفحات من الذكريات القليلة الجميلة معها.

أما الحسرة فلأن هالة الدبيكى ترحل وهى فى الظل، برغم أنها تمتلك صوتا قويا جميلا ومعبرا، يستطيع أن يميز بين نغمات وكلمات ما كانت تتقن غناءه لأم كلثوم وعبد الوهاب وحليم وغيرهم من كبار مطربى عقد الستينيات، فى حفلاتها الموسمية فى تجمعات الحركة السياسية والحزبية. وكنا مع غنائها نستعيد ذاكرتنا التى يتم الاعتداء شبه اليومى عليها. وكانت تأتى إلى تلك التجمعات، ليس فقط لإشباع رغبتها فى الغناء الطرب، وشوقا إلى فنون ذلك العقد، وربما توقا إلى عدالته، لكن كذلك لممارسة مسئوليات دورها فى الحياة كأم عزباء لابنين، بجانب عملها مدرسة للموسيقى فى مدرسة خاصة .

وبرغم أن هالة بدأت نشاطها وهى طفلة فى التاسعة بالعمل فى مسرحيات فؤاد المهندس وفى بعض المسلسلات التليفزيونية، لكن الحياة لم تكن سخية معها، وأصابتها بخيبات واسعة فحرمت من أجواء تحتضن موهبتها وتدربها وتنميها، وتخرجها – كما فعل أباظة ومبارك – من الهامش إلى المتن، بجوار نجوم الطرب والغناء. وإذا كان من عزاء لذلك المصير المحزن الذى جعل هالة من سلالة أهل الخسارة، كما يقول محمود درويش، فهو أن المتن بات ساحة مستباحة، تفتقد للمساواة والعدالة، وتسود فيها صناعة وتسويق الأغانى التجارية والفنون التجارية، التى تبنى على الإفيهات، وتصنع نجوما من قش!

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy