د. رفعت السعيد بكتب: صراع الإسلام والتأسلم حول تجديد الفكرالدينى
وكانت معركة شيوخ الأزهر ضد الأستاذ الإمام ضارية وفى أحيان عدة كانت خالية من الأدب . وصدرت كتابات بلا توقيع تسبه سبا يعاقب عليه القانون وتسب أمه، ووصفه عنوان أحد هذه الكتيبات بأنه “المهياص الهجاص” وكتاب آخر قال غلافه إن مؤلفه هو “الحرة اللى لسانها خارج لبرة، خادمة الوطن والدين والغيورة على المسلمين” وكتابان آخران قيل إن صاحبهما هو “الحرة اللى لسانها خارج لبرة” أحدهما ضد الافغانى وعنوانه “تحذير الأمم من كلب العجم” وآخر ضد محمد عبده بعنوان “كشف الأستار فى ترجمة الشيخ الفشار” . ويرد عليهم محمد عبده بذات الحدة ، ويؤكد رشيد رضا أن الأستاذ الإمام كان شديد الاحتقار لأزهر ذلك الزمان وأهله وكان يسميه الإسطبل والمارستان والمخروب” – [رشيد رضا – تاريخ الأستاذ الإمام – المرجع السابق جـ 1 – صـ495] ولعل بإمكاننا أن نتصور موقف عبده من شيوخ زمانه من ذلك الحوار الذى جرى بينه وبين الشيخ البحيرى عضو مجلس إدارة الأزهر فى ذلك الزمان حول إصرار محمد عبده على تعديل مناهج التعليم بالأزهر بحيث تتضمن العلوم الحديثة :
– البحيرى : إننا نعلمهم كما تعلمنا
– عبده : وهذا هو ما أخاف منه .
– البحيرى : ألم تتعلم أنت فى الأزهر وقد بلغت من مراقى العلم ، وصرت فيه العلم الفرد ؟
– عبده : إن كان لى حظ من العلم الصحيح الذى تذكر فإننى لم أحصله إلا بعد أن مكثت عشر سنين أكنس من دماغى ما علق فيه من وساخة الأزهر ، وهو حتى الآن لم يبلغ ما أريده له من النظافة” [الأعمال الكاملة لمحمد عبده – جـ1- صـ17] . وتتواصل المعركة ويعلن أزهريون أن محمد عبده كافر وأنه لا يصلى ولا يصوم [رضوان السيد – الإسلام المعاصر – صـ691] . وهكذا فقد الشيخ الأمل فى تطوير المؤسسة الأزهرية . فاتجه إتجاهاً معاكساً تماماً ومفاجئاً أيضاً بأن تبنى الدعوة لتأسيس جامعة عصرية تكون أساساً للتنوير والالتحاق بالعلوم الحديثة ، وكان عبده عضواً فى مجلس الإدارة الذى تولى جمع التبرعات وأشرف على إنجاز المشروع .. وسريعاً جداً أثمرت الجامعة قيادات ثقافية ليبرالية وتنويرية حملت مشاعل التنوير والعقلانية لمصر وللشعوب العربية . ويمضى محمد عبده فى أداء – رسالته كمفتى للديار المصرية ، واضعاً أسسا جديدة للتجديد العقلانى للفكر الدينى ومؤكداً ضرورة التأويل حتى يتلاءم الفهم الدينى مع تطورات العصر ، فقدم للإسلام والمسلمين ولمصر والمصريين ذخائر بغير حصر من الفتاوى والمواقف والشروح والمقالات .. مثل “رسالة التوحيد” و “الإسلام دين العلم والمدنية” وتفاسيره الشهيرة لصورة العصر وسورة الفاتحة وجزء عم ومقالات من المنار ودروسه فى دار الإفتاء وهناك أيضاً كتاب تاريخ الأستاذ الإمام . ويحتار الإنسان الراغب فى البحث عن تراثه كيف يبدأ ومن أين ؟ لكنه يقدم لنا المرشد والدليل فيقول “ارتفع صوتى بالدعوة إلى أمرين عظيمين “الأول تحرير الفكر من قيود التقليد وفهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف والرجوع فى كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى واعتباره من ضمن موازين العقل البشرى التى وضعها الله ، وأنه على هذا الوجه ، باعثاً على البحث فى أسرار الكون داعياً الى احترام الحقائق الثابتة . أما الأمر الثانى فهو إصلاح أساليب اللغة العربية فى الكتابة . وهناك أمر آخر كنت من دعاته والناس جميعاً فى عمى عنه ، رغم أنه الركن الذى تقوم عليه حياتهم الاجتماعية، وذلك هو التمييز بين ما للحكومة من حق الطاعة على الشعب وما للشعب من حق العدالة على الحكومة [رشيد رضا 0 المرجع السابق – الجزء الأول – صـ11] .. ونلتزم بإرشادات محمد عبده ونبدأ فى فحص إبداعاته .

التعليقات متوقفه