وسط البلد.. متحف مفتوح
مبانيها ومقاهيها تاريخ يحيا فى الحاضر
الخديو إسماعيل تمناها أن تكون قطعة من أوروبا
والأجيال التالية أهملوها
* ممر بهلر: سوق تجاري وملتقي الساسة والفنانين
* طلعت حرب شارع الثقافة المصرية
* مقهي ريش غنت عليه أم كلثوم لأول مرة.. واتخذه نجيب محفوظ مقراً للقاء الأدباء
* سعد حليم بني قصراً لحبيبته فرفضت السكن فيه فظل مهجوراً
جاء قرار رئيس الوزراء إبراهيم محلب بإعادة تطوير وتجميل منطقة “وسط البلد” بالقاهرة ليعيد لهذه المنطقة حيويتها لاستعادة دورها الحضارى والجمالى والسياحى مرة أخرى والذى افتقدته لسنوات طويلة بسبب الفوضى والإهمال، والتى كادت أن تصيب مبانيها العريقة ومحلاتها العتيقة ذات الطابع التاريخى بأضرار كثيرة.
رائحة وسط البلد
وتعد منطقة “وسط البلد” قلب العاصمة المصرية حيث تتركز فيها معظم الأنشطة الاقتصادية والتجارية والسياسية والثقافية، فما من قادم إلى “القاهرة” إلا وتكون وجهته الأساسية وأولى خطواته فى شوارع “وسط البلد”، أو الجلوس على مقاهيها التى يرتادها كبار المثقفين والمفكرين والساسة.
هى منطقة لها لغتها الخاصة، تحمل رائحة التاريخ، وعبق الماضي، تراها فى اتساعها كعروس فى انتظار من يزيح الغبار عن فستانها القشيب.
تأسست المنطقة فى عام 1867 فى عهد الخديو إسماعيل الذى أحب أن يجمل القاهرة ويجعلها “قطعة من أوروبا” خاصة “باريس” والتى زارها وبهر بمبانيها العريقة.
واستقدم لذلك عشرات الخبراء المعماريين من فرنسا وإيطاليا لتصميم المنطقة وإنشاء العمارات الفخمة بها، وأنشأ مجموعة من الأحياء منها “حى الإسماعيلية” – ميدان التحرير – حاليا، وحى التوفيقية، وحى عابدين، وميدان الأوبرا، بالإضافة إلى إنشائه لحى الأزبكية وأنشأ فيه دار الأوبرا، وأمامها أقام تمثالا لوالده إبراهيم باشا، وهو على صهوة جواده، كما أنشأ قصر عابدين، وهو آية فى الجمال والروعة، حيث نقل إليه مقر الحكم بدلا من القلعة والتى استمرت لمئات السنين – منذ بنائها فى عهد صلاح الدين الأيوبى – هى مقر الحكم فى مصر.
وقد كان إسماعيل مهتما بالفنون والآداب والموسيقى والغناء، فأنشأ كما قلنا دار الأوبرا سنة 1869 بمناسبة افتتاح قناة السويس مبالغة فى جلب السرور لضيوفه من ملوك وأمراء العالم خاصة “الإمبراطورة أوجيني” زوجة نابليون الثالث فكلف “فردي” الموسيقار الإيطالى بتلحين أوبرا عايدة التى ألفها “مرييت باشا”، وهي الدار التي حرقت في حادث غامض لم تكشف ملابساته حتي الآن في عام 97.
ممر بهلر
توجد فى المنطقة مجموعة من المعالم منها “ممر بهلر” وهو معلم سياحى وتجارى تم إنشاؤه نهاية القرن التاسع عشر ليكون سوقا تجاريا، يخدم المنطقة خاصة أبناء الطبقة الأرستقراطية الذين كانوا – فى ذلك الوقت – يسكنون مجموعة من العمارات الشهيرة فى ميدان طلعت حرب.
وترجع تسمية الممر إلى “تشارلز بهلر” والذى ولد عام 1868 فى سويسرا، وجاء إلى القاهرة عام 1885، ومنذ عام 1904 أصبح يملك الحصة الأكبر فى الفنادق المصرية وقتها، فقد أنشأ عدة شركات للفنادق منها “شركة الصعيد للفنادق” والتى كان لها فروع فى أسوان والأقصر مثل فندق “كتاركت” وهو صاحب الأرض التى أنشئ عليها “حى الزمالك” فقد اشتراها عام 1908 وفى عام 1925 وافقت هيئة الفنادق المصرية على إدارته لممتلكات شركات الفنادق الكبري.
وقد سكن هذا الممر أعلام من المثقفين والمفكرين وأهل الطرب والغناء والسياسة مثل ممدوح سالم – رئيس وزراء مصر الأسبق فى العمارة رقم (1) والفنان فريد الأطرش وشقته يسكن فيها الآن حفيد ابن شقيقه، والشقة تمتلئ بتراث الفنان الراحل، ويأتى لزيارتها أقاربه على حسب ما يقول سكان الممر.
كما يوجد فى الممر مقار ثقافية ودور نشر مختلفة.
شارع طلعت حرب
أما شارع طلعت حرب فيتميز بكثرة المعالم الثقافية لعل أبرزها “مقهى ريش” الذى تأسس عام 1908، فى موقع جغرافى جعل منه المقهى الأشهر والأبرز فى القرن العشرين، فقد كان فى سنواته الأولى تمتد مساحته إلى ناصية “ميدان سليمان باشا” – طلعت حرب حاليا، لكن مع مرور الزمن تقلصت المساحة لتصل إلى 400 متر هى مساحة المقهى حاليا.
وإذا كان الأشخاص يمثلون جزءا من جغرافيا المكان فإن هذا المقهى بما شهده من أحداث وأشخاص ومواقف يعد ذاكرة خاصة للثقافة، فلم يكن مجرد مكان للاستراحة أو شرب القهوة، بل كان حياة متكاملة حافلة بالعلاقات الإنسانية والاختلاف الفكرى والفنى والأدبى من خلال رواده الأفذاذ فى مجالات المعرفة المختلفة، وكان نجيب محفوظ قد اتخذ منه مكانا لجلسته الأسبوعية مع الأدباء والفنانين والكتاب والصحفيين، قبل أن ينتقل بحرافيشه إلي إحدي الكافتيريات النيلية.
باريس في القاهرة
وقد أقيم كافيه “ريش” على أرض كانت فى الأساس قصرا للأمير محمد على توفيق قبل أن ينتقل إلى قصره الذى بناه فى “المنيل”، وحسب ما هو مدون فى وثائق المقهى وعقوده وحجة الأملاك فقد كان عبارة عن “سراية مركبة من بدروم ودورين علويين داخل جنينة وبها سلاملك وعربخانة واسطبل وكانت العوائد المقررة 35 جنيها سنويا”، وبعد هدم القصر بنيت على أرضه العمارة القائمة فوق المقهى فى عام 1908، وقد قام ببناء العمارة عائلة يهودية تسمى “عادا”، أما الشركة التى تولت بيع الأرض فكانت الشركة العقارية المتحدة والتى كان يرأس مجلس إدارتها – فى ذلك الوقت – “باغوص باشا نوبار”.
وقد تم تصميم المقهى على غرار المقاهى الباريسية، والتى يتوافد عليها المثقفون من أنحاء العالم.
وقد اشتهرت “ريش” منذ بدايته بأنه مقهى “النخبة”، ففى حين كانت المقاهى الأخرى تحوى خليطا بشريا من الطبقات المختلفة بداية من عمال التراحيل مرورا بالموظفين والفتوات والأفندية، فإن “ريش” تميزت بالهدوء النسبى مما جعل أبناء الطبقة الوسطى وأحيانا الطبقة الراقية يقبلون عليها يلعبون الطاولة والبلياردو ويشاهدون المصارعة ويستمعون إلى الغناء ويشربون والقهوة والشاى وغيرها من المشروبات التى يقدمها المقهي.
المكان الثورى
وقديما كان يضم المقهى مسرحا للغناء والعروض المسرحية وغنت عليه “أم كلثوم” فى أول مرة تغنى فيها على مسرح عام 1915 بعد قدومها من قريتها “طماى الزهايرة” بالمنصورة، وكانت ترتدى وقتها عقالا بدويا.
وقد جلس على المقهى كبار الساسة والمبدعين وقد أشار المؤرخ الشهير “عبدالرحمن الرافعي” فى كتابه عن ثورة يوليو: “أن ريش كان مكانا سريا يجتمع فيه دعاة الثورة والمروجون لها والداعون إليها، وأغلب الظن أن صاحب المقهى كان عضوا فى خلايا الثورة”.
ويؤكد بعض العاملين فى “ريش” أن جمال عبدالناصر والسادات كانا من رواد المقهى قبل الثورة وهذا ما يؤكده أيضا مجدى عبدالملك صاحب المقهي.
أما نجيب محفوظ فله حكاية أخرى مع “ريش” فقد ارتبط بالمقهى لأكثر من ثلاثين عاما، حيث أصبح مقرا للقائه بالأدباء بعد إغلاق “مقهى أوبرا” عام 1963 الذى كان يجلس عليه مع توفيق الحكم بانتظام، وفى “ريش” وجد “محفوظ” ضالته حيث تحلق من حوله كل الأدباء خاصة جيل الستينيات جمال الغيطانى وسيد خميس ويوسف القعيد وعبدالرحمن الأبنودى وإبراهيم منصور ويحيى الطاهر عبدالله وأمل دنقل ونجيب سرور وعبدالحكيم قاسم، الذين جاء أغلبهم من قرى ونجوع مصر باحثين عن التحقق الأدبى فوجدوا أنفسهم يجلسون على طاولة واحدة مع عميد الرواية العربية، فخرجت مشاريعهم الأدبية من على نفس الطاولة برؤية جديدة ولغة مغايرة.
وكان محفوظ على حد تعبير “مجدى عبدالملك” يأتى مرتين يوميا الأولى فى السابعة إلا خمس دقائق صباحا يجلس حتى الساعة الثامنة يشرب خلالها فنجان قهوة مع سيجارة، ثم يمضى إلى جريدة “الأهرام”، فتكون “ريش” هى محطته الأولى بعد خروجه من بيته.
أما المرة الثانية فكانت الساعة الخامسة ويظل جالسا حتى السابعة مساء يشرب خلال الساعتين فنجانين من القهوة السادة، كما كان له ميعاد ثابت مع الأدباء يوم الجمعة الساعة الرابعة مساء.
وكان محفوظ يجلس فى مكان ثابت مخصص له وهو المكان الذى تعلوه صورته التى علقها له صاحب المقهى فى أواخر السبعينيات.
من الجدير بالذكر أن المقهى يضم عشرات الصور المعلقة على حوائطه لأشهر أدباء وفنانى مصر الذين كانوا من رواده الدائمين أمثال نجيب الريحانى وكامل الشناوى وفاطمة رشدى وجمال عبدالناصر ومحمد الفيتورى وعبدالوهاب البياتى والسادات وسليمان بك نجيب وأحمد شوقى وصلاح عبدالصبور وأنور وجدى ونعمان عاشور ورجاء النقاش.
الأجيال الجديدة
ترتبط الأجيال الجديدة بعدد من المقاهى فى وسط البلد – رغم أن بعضها يعود تاريخ تأسيسه إلى أكثر من 80 عاما مثل مقهى “الحرية” الذى يعود زمن تأسيسه إلى عام 1936 وهو مازال يحتل جزءا من واجهة ميدان “باب اللوق”، وقد أسسه “يوسف أفندي” الموظف – وقتها – فى شركة تقسيم الأراضى بالمعادي، وأحد أقاربه ويسمى “مرقص ميخائيل” والذى كان يعمل محاسبا فى إحدى شركات بيع الأقمشة وكان السبب الرئيسى لإنشائهما المقهى هو وجود قريب لهما يدعى “نقولا” عاطلا عن العمل، ليكون المقهى بداية جديدة لحياته، وقد تأسس المقهى برأس مال قدره 350 جنيها، ولعل من أكثر الفترات التى شهدت رواجا للمقهى فترة الحرب العالمية الثانية حيث كان الجنود الإنجليز يفضلون الجلوس عليه نظرا لجودة مشروباته وعدم ارتفاع أسعاره.
وكان يعمل به 6 عمال يونانيين يرتدون زيا موحدا عبارة عن بدلة سوداء وفوطة بيضاء ملفوفة فوق النصف العلوى للبنطلون وغطاء للرأس.
وكان من أشهر رواده من المثقفين زكريا أحمد والدكتور محمود الحفنى المؤرخ الموسيقى الشهير والرئيس الراحل أنور السادات ومن الفنانين رشدى أباظة وأحمد رمزي، وعبدالرحيم الزرقانى وشكرى سرحان وزكريا الحجاوى والشيخ أحمد حسن الباقورى ومن لاعبى الكرة مختار التيتش وعبدالكريم صقر، والمخرج حسن الإمام.
وكان يوجد بالمقهى قديما “صالونا للحلاقة” خاص بالزبائن الذين يرتادونه وكانت تسعيرته حتى بداية الستينيات 5 قروش.
ويرتاده عدد من أدباء جيلى الثمانينيات والتسعينيات مثل علاء الأسوانى ويوسف أبورية وعبدالمنعم رمضان وإيمان مرسال وهدى حسين وحمدى أبوجليل.
وعلى بعد خطوات قليلة يوجد مقهى “سوق الحميدية” وهو المكان المفضل للناقد فاروق عبدالقادر.
الندوة الثقافية
وبجواره فى عمارة “البدراوي” يقع “مقهى الندوة الثقافية” والذى بدأ العمل به عام 1962 – بعد أن أسسه محمد حسانين وأولاده رشاد وعلى وجلال، ودفعهم تجمع المثقفين والأدباء على مقهاهم إلى تسميته “الندوة الثقافية”.
ويتميز هذا المقهى بخاصيتين الأولي: وجود صوت “القرآن الكريم” طيلة الوقت، مما يعطى للمكان طقوسا خاصة أهمها الهدوء والطمأنينة.
أما الخاصية الأخري: فهى أن هذا المقهى يكاد يكون المقهى الوحيد الذى يقدم “نرجيلة التنباك” – رغم ارتفاع سعره – فالنرجيلة من أهم خصائص المكان.
وكان من أهم رواده قديما: نجيب محفوظ ويوسف القعيد وجمال الغيطانى وتوفيق صالح ومحمد الدفراوى ويحيى العلمي.
ومن رواده من الأجيال التالية محمود الوردانى ومحمد سليمان وخالد الصاوي.
وهناك أيضا مقهى “استراند” بباق اللوق والذى يوجد أسفل عمارة استراند الشهيرة، والذى يعقد عليه الروائى علاء الأسوانى ندوته الأدبية الأسبوعية.
وفى ميدان التحرير يوجد مقهى “وادى النيل” والذى اكتسب شهرة بعد تعرضه لضرب الجماعات الإرهابية عام 1993، وقد أعيد افتتاحه فى حفل جماهيرى كبير حضره مجموعة من المثقفين كان منهم المفكر الراحل د. فرج فودة والنجم عادل إمام، وقد تم توثيق هذا الحفل فى فيلم تسجيلى تحت عنوان “قهوة مضبوط للوطن”.
مشروع ثقافي
وخلال العشرين عاما الماضية برز مقهى “زهرة البستان” ليحتل صدارة المقاهى الأدبية، وربما لتميزه المكانى ولقربه الشديد من مقهى “ريش” الذى تحول رواده – بعد إغلاقه – إلى زهرة البستان – والذى كتب أصحابه على واجهته عبارة لافتة هى “ملتقى الأدباء والفنانين”، وهى عبارة ربما كانت تصلح فى وقت سابق، أما الآن فقد امتلأت مقاعد المقهى بالشباب العاشق الفار من جحيم الأماكن السياحية مرتفعة الأسعار فيجيئ ليدخن الشيشة.
ومع ذلك يوجد هامش للثقافة على المقهى حيث يجيئ إليه المثقفون من مختلف التيارات والأجيال ومن أشهر رواده الروائى إبراهيم عبدالمجيد والشاعر إبراهيم عبدالفتاح والشاعر إبراهيم داود حيث يجتمع الثلاثة ليتنافسوا فى لعبة الطاولة كل مساء، ومن رواده الدائمين الشاعر سعدنى السلامونى والشاعر محمود قرنى والشاعر فتحى عبدالله والشاعر عبدالعزيز موافى والشاعر محمد عفيفى مطر والشاعر رفعت سلام والروائى مكاوى سعيد والكاتب محمد صلاح مراد واللذان أسسا على المقهى دارا للنشر تحمل اسم “الدار” ونشرا من خلالها عشرات الأعمال الروائية والشعرية والفكرية، وعلى “زهرة البستان” خرجت مطبوعات ثقافية مهمة مثل “الكتابة الأخري” التى أسسها الشاعر هشام قشطة.
ومن أشهر رواد المقهى الراحلين القاص إبراهيم فهمى والذى أقام له أصدقائه سرادقا للعزاء على المقهى فى سابقة هى الأولى من نوعها.
وكذلك كان من رواده الروائى الراحل خيرى عبدالجواد والروائى الراحل وفيق الفرماوى والشاعر الراحل محمد الحسينى ومن رواده – أيضا – الفنان محمد ناجى والمخرج مجدى أحمد على والشاعر العراقى سعدى يوسف والذى وصف المقهى فى قصيدة تحت عنوان “مقهى البستان” يقول فيها:
لا أعرف من سمى هذا المقهي، البستان
ولا أدرى سببا..
أعرف أن المقهى يحتل تقاطع دربين ذوي
ورشات للمكانيك
وأكشاك تعرض أضغاثا متناثرة من السجاد
وأجهزة الهاتف والخبز البلدي،
وأعرف أن الفحم هو اللون هنا
فى هذى الزاوية الدكناء من العالم
أعرف هذا وأسأل نفسي: من سمى البلقع بستانا
من جاء بما يفترض البستان: زهورا، شجرا، وطيورا، إلخ..؟!
الأشياء هنا متداعية
حتى لم يعد المرء ليأمن كرسيا
والشاى هنا أسود كالفحم
إذن أين البستان؟
أقول لكم: إن البستان هو الحلم الأول بالبستان!
أوكسجين
ومن المقاهى الجديدة “مقهى التكعيبة” والذى يقع فى شارع حسين المعمار بميدان “طلعت حرب” ويقع خلف قصر شامبليون، وسمى بـ “التكعيبة” نظرا لوجود عدد من الأشجار التى تتدلى مكونة ما يشبه “التكعيبة”، وقد جذب المقهى أدباء جيل التسعينيات أمثال فارس خضر وعيد عبدالحليم وعزمى عبدالوهاب وفتحى عبدالله وصبحى موسى وطارق إمام ومحمد عبدالنبى ونائل الطوخى والطاهر شرقاوي، ويصف نائل الطوخى أجواء المقهى فى مقال فى نشرة “أوكسجين” على الإنترنت بتاريخ 10/ نوفمبر 2008 قائلا:
“ابتعدنا عن الندوة الثقافية بعض الوقت، شيئا فشيئا بدأنا نجتمع مرة أخري، مع اختلاف بسيط.. قهوة التكعيبة هى مكان فى بؤرة الضوء الآن، قهوة يظللها الشجر، وصاخبة ليلا وضجيج ورش السيارات ليس أدنى منزلة من ضجيج مركز التاون هاوس الثقافى فى التكعيبة نجد الجميع طارق إمام ومحمد صلاح العزب ومحمد عبدالنبى ومحمد الفخراني، وبالأساس الراحل محمد ربيع.. يبدو ربيع جزءا لا ينفصل من التكعيبة، أفكر أنه لولا فضلها عليه لما راجت روايته الأخيرة “ناس أسمهان عزيز السريين” فهو لا ينشر رواياته، بل يطبعها على آلته الطابعة الخاصة ويصور منها خمسين نسخة ويوزعها على أصدقائه فى التكعيبة، بهذا، وعن طريق الاستغناء عن سلطة دار النشر والمطبعة، يتمكن من توفير هامش حرية هو الأعلى بين جميع مجايليه”.
أمسيات الشعر
وعلى طاولات “التكعيبة” تعقد فى السابعة مساء كل أحد ندوة أدبية يديرها الشاعر محمود بطوش، ولم يتوقف نشاط الندوة على الأمسيات الشعرية ومناقشة الأعمال الأدبية، بل تعدى ذلك إلى نشر إبداعات رواد الندوة من خلال مجهودات ذاتية.
وقد اجتذب المقهى رواد “التاون هاوس” وهو المركز الثقافى المجاور للمقهى والذى تقام فيه معارض للفن التشكيلى ويوجد به مسرح “روابط” والذى تعرض عليه أعمال فرق “المسرح المستقل”، وتعرض فيه مهرجانات “سينما الموبايل” وغيرها ومن رواد المقهى من الفنانين الفنان جورج البهجوري، والمخرج محسن حلمى والمخرج محمد عبدالخالق، وعدد كبير من شباب الصحفيين.
جلسات المرح
ومن مقاهى المنطقة مقهى “أفتر إيت” الذى هجره معظم رواده القدامى لكنه مازال يحتفظ بطابعه القديم المعلم فؤاد مهران صاحب المقهى يقول: إنه كان المكان المحبب للمطرب الشعبى شفيق جلال، وكان يتميز بكونه مكانا يلتقى فيه محبو عقد جلسات النكت والإفيهات.
وهناك أيضا “مقهى البورصة” والذى يوجد بجوار مبنى البورصة بشارع الشريفين، ومعظم من يرتاد المقهى لهم علاقة بمجتمع المال سواء كانوا سماسرة أو مستثمرين أو عملاء صغارا أو صحفيين، وزادت أهميته الثقافية خاصة بعد افتتاح عدد من المكتبات الخاصة ببيع الإصدارات الجديدة فى نفس الشارع الموجود به المقهي.
وعلى بعد خطوات من ميدان طلعت والذى اجتذب عددا من المثقفين والأدباء منهم سيد الوكيل وطارق إمام وأحمد شافعى وعاطف عبدالعزيز ومحمود الحلوانى وغيرهم ويتميز المقهى بطابعه الشعبي.
أما مقهى “فينكس” فعليه كان يجتمع أدباء “جماعة نصوص 90″، د. رمضان بسطاويسى ود. مجدى توفيق وسيد الوكيل، وهى جماعة أدبية أصدرت مجموعة من الأعمال الإبداعية والنقدية وكانت فكرتها المحورية هى النصوص وربطها بمرحلة الكتابة فى فترة التسعينيات.
القصر المهجور
وهناك أيضا فى شارع حسين المعمار يوجد قصر بالغ الروعة من الناحية المعمارية لكنه مهجور منذ سنوات طويلة ومغلق وهذا القصر أسسه سعيد حليم ونفذه من ناحية البناء الخبير المعمارى “أنطونيو لاجاك” الذى شارك فى بناء الجزء الثانى من قصر عابدين.
البناء فيه مزج من الأساطير التى دخلت مصر كالأساطير الرومانية والإغريقية، ويظهر ذلك على وجوه التماثيل الموجودة فى القصر، وقد بناه الأمير إرضاء لحبيبته والتى رفضت أن تسكن فيه.
والأمير سعيد حليم كان ضد الوجود الإنجليزى فى مصر حكم عليه بالنفى لمالطا عام 1919، ووصل إلى روما وهناك تم قتله، فقد كان متهما من ضمن المتهمين بمذبحة الأرمن.
ومن أشهر معالم المنطقة محل “جروبي” المواجه لتمثال طلعت حرب والذى يرجع تاريخ إنشائه إلى نهايات القرن التاسع عشر على يد “جاكى جروبي”، وهو محل للحلويات اشتهر كثيرا فى بداية القرن العشرين وقد كان ملتقى للأدباء والفنانين والساسة فمنه خرج رشدى أباظة وأحمد رمزى وعمر الشريف الذين كانوا يلتقون فيه ليتسامروا، وكان لقاؤهم بالمخرج حلمى حليم بداية دخولهم عالم السينما، كما كان من رواده كبار الشعراء العرب أمثال البياتى ومحمود درويش وشوقى بغدادى والجيل السابق لهم مثل مطران خليل مطران وأحمد شوقي، وكذلك الموسيقار الكبير محمد عبدالوهاب.
وقد كان فرع جروبى بشارع عدلى يوجد به مسرح كبير وحديقة صورت فيها عدد من الأعمال السينمائية والتليفزيونية.
ومن المعالم الثقافية فى شارع طلعت حرب مكتبة مدولى والتى أسسها فى منتصف السبعينيات من القرن الماضى الحاج محمد مدبولى والذى كان يبيع الصحف على أرصفة شارع طلعت حرب.
وقد اجتذبت المكتبة عددا كبيرا من المثقفين من الوطن العربي.

التعليقات متوقفه