د. رفعت السعيد يكتب: صراع الإسلام والتأسلم حول تحديد الفكرالدينى

83

 ونواصل رحلتنا مع الإمام محمد عبده مجدداً .. ونستمع إليه متحدثاً عن علاقة المواطن بالحاكم ثم علاقته برجل الدين، الحاكم يريد أن يفرض عليه سلطته وجبروته ورجل الدين يريد أن يفرض عليه رأيه وفقه .. ونقرأ “لقد أخطأ المسلم فى فهم معنى الطاعة لولى الأمر والانقياد لأوامره فألقى مقاليده الى الحاكم ووكل إليه التصرف فى شئونه ، ثم أدبر عنه حتى ظن أن الحكومة يمكنها القيام بشئونه جميعاً من إرادة وسياسة ، ومن هنا إنصرف المسلم عن النظر فى الأمور العامة جمله، وضعف شعوره بحسنها وقبيحها اللهم ألا ما يمس شخصة منها” [الإسلام دين العلم والمدينة ـ صـ80] أما الحكام فقد كانوا فى رأى محمد عبده “أقدر الناس على انتشال الأمة مما سقطت فيه فأصابهم الجهل ، ولم يفهموا من معنى الحكم إلا تسخير الأبدان لأهوائهم وإذلال النفوس لخشونة سلطانهم ، وإبتزاز الأموال لإنفاقها فى إرضاء شهواتهم ، لا يعون فى ذلك عدلاً ولا يستشيرون كتاباً ولا يتبعون سنه ، حتى أفسدوا أخلاق الكافة بما حملوها على النفاق والكذب ، والاقتداء بهم فى الظلم وما يتبع ذلك من الخصال التى ما فشت فى أمة الا حل بها العذاب وتلك علة من أشد العلل فتكا بالأرواح والعقول [المرجع السابق – صـ81] هذا عن سلطة الحاكم فماذا عن سلطة رجال الدين ؟ الحقيقة أن عبده قد جردهم من أى سلطان على البشر أو عقولهم ونقرأ “ليس المسلم مهما علا كعبه فى الإسلام على آخر مهما إنحطت منزلته فيه سوى حق النصيحة والإرشاد ، فليس فى الإسلام ما يسمى عند قوم بالسلطة الدينية ، أو المؤسسة الدينية ، بوجه من الوجوه ، ولم يعرف المسلمون فى عصر من العصور تلك السلطة الدينية” [الأعمال الكاملة – الجزء الأول – صـ105] ويمضى عبده قائلاً “الإسلام لا يجعل للقاضى أو المفتى [نلاحظ أنه كتب ذلك وهو مفتى الديار المصرية] أو لشيخ الإسلام أدنى سلطة على العقائد وتقرير الأحكام ، وكل سلطة تناولها واحد من هؤلاء هى سلطة قدرها الشرع الاسلامى ، والشرع لا يسمح لواحد منهم أن يدعى حق السيطرة على إيمان أحد أو عبادته لربه أو ينازعه فى طريقة نظره” [المرجع السابق – الجزء الثانى – صـ125] .

وإذا كان محمد عبده قد رفض سلطة الحاكم على مصائر المسلمين ورفض سلطة رجال الدين على عقول وإيمان المسلمين فإنه يصبح أشد رفضاً لاقتران السلطتين معاً فيصيح “من الضلال القول بتوحيد الإسلام بين السلطتين المدنية والدينية فهذه الفكرة خطأ محض ، وهى دخيلة على الإسلام ، ومن الخطأ الزعم بأن السلطان أو الحاكم هو مقرر الدين وواضع أحكامه ومنفذها ، وأن المسلم مستعبد لسلطانه [المرجع السابق] ويفسر الباحث د. محمد كامل ضاهر هذه العبارات قائلاً “أن التأكيد على نفى دينيه المؤسسات والتأكد على مدنيتها ، يعنى إضفاء الطابع المدنى الذى لا يفرق بين المواطنين ويمكننا أن نقرر وباطمئنان أن محمد عبده قد أسهم إسهاماً كبيراً فى صياغة صورة الدولة المصرية الحديثة القائمة على حقوق المواطنة المتكافئة وعلى تأكيد الوحدة الوطنية بين المصريين برغم اختلاف دياناتهم . صحيح أن هناك آخرين من المفكرين قد أسهموا فى بناء هذه الفكرة لكن فضل محمد عبده يأتى من أنه نادى بذلك وهو مفتى للديار المصرية ففرض مهابة دينية على فكرة الوطنية المصرية ، فى مواجهة دعاة الخلافة وخاصة الشيخ جاويش وغيره” [د. محمد كامل ضاهر– الصراع بين التياريين الدينى والعلمانى – صـ183] . وهكذا فإن الأستاذ الإمام محمد عبده قد أكد “إن شكل الحكومة باق على الأصل من الإباحة والجواز [بمعنى حق المسلم فى اختيار شكل الحكومة التى يراها ملائمة لعصره] ثم يمضى شارحاً “وهو اختيار يجب أن يلاءم مصالحنا ، ويطابق منافعنا ، ويثبت بيننا قواعد العدل وأركانه” [الأعمال الكاملة – الجزء الأول – صـ360] فقط نعود إلى مفردات محمد عبده التى حدد بها شكل الحكومة التى يفضلها .. تلاءم مصالحنا . وتطابق منافعنا ، وتثبت بيننا قواعد العدل وأركانه” [الأعمال الكاملة – الجزء الأول – صـ360] .      

              ونتواصل مع رحلة مجيدة للأستاذ الإمام .

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy