صفحة من تاريخ مصر

ونأتى الآن إلى كيفية التعامل من جانب شركاء سيد قطب فى ساحة التأسلم الذين اتخذوا كالمعتاد مواقف ملتبسة عن عمد، ونمضى مع القصة، صدر الكتاب وطبع ووزع علنا وقيل إن التى أخرجته بمعرفة إدارة السجن هى السيدة حميدة قطب شقيقة سيد، “وأضع هنا شهادتى الشخصية، فقد يبدو مثيرا للدهشة أن صاحب أول بلاغ ضد الكتاب هو الأستاذ عادل حسين الذى له دور معاكس لهذا الموقف فيما بعد، فقد حضرت شخصيا لقاء بين خالد محيى الدين عندما كان رئيسًا لمجلس إدارة أخبار اليوم وعادل حسين الذى أحضر معه نسخة مطبوعة من “معالم فى الطريق” وعليها علامات وخطوط تحت العبارات التكفيرية، وكان أن اتصل الأستاذ خالد بمكتب الرئيس عبدالناصر، وكان التحرك المفاجئ ضد الكتاب” وبعد هذه الشهادة التى تثير الدهشة وتطرح سؤالا.. من إذن سمح بصدور الكتاب وإخراجه من السجن كمخطوط؟ ثم طبعه ثم توزيعه؟ وعديد من الأسئلة الأخري، المهم أن الجماعة وجدت نفسها فى مأزق فهى مطالبة أمام الحكومة بتحديد موقف من الكتاب، بل إن المرشد وقادة الجماعة أصبحوا مطالبين بتحديد موقف ناقد بل ورافض للكتاب حتى لا تتبدد أحلام السجناء فى إفراج قريب.

وكانت الموافقة المزدوجة التى اعتادت عليها الجماعة، فرغم تأكيد زينب الغزالى التى كانت تلعب فى هذه الأيام دورا قياديا لأنها خارج السجن أن المستشار حسن الهضيبى المرشد العام “قد قرأ الكتاب وأعاد قراءته ثم أجاز طبعه وقال إن هذا الكتاب قد حصر أمل الدعوة كله فى سيد” (أيام من حياتى – ص36) فإن الجماعة والمرشد شخصيا وجدا أنه من الضرورى التبرؤ من الكتاب.. وكان أن صدر كتاب باسم المرشد عنوانه “دعاة لا قضاة” ولكنه لم يورد مطلقا لا عنوان الكتاب ولا اسم سيد قطب وإن كان قد رفض ما فى الكتاب من أفكار تكفيرية تدعو للعنف، واكتفى بأن فند أفكار أبو الأعلى المورودي.

ونعود إلى المرشد التالى الأستاذ عمر التلمسانى الذى قدم الرواية التالية “رسخت فكرة التكفير فى ذهن بعض الشباب وآمنوا بها عن اقتناع غريب، واتسع نطاق هذه الفكرة فى معتقل مزرعة طره حتى بلغت أخبارها فضيلة المرشد رضوان الله عليه، إذ كان معتقلا هناك فاستدعى رؤساءهم وناقشهم فى الفكرة وكانت الجلسة تنتهى بما يشعر باقتناعهم بكلامه، وما أن يخرجوا من عندنا حتى يعودوا إلى ما كنوا عليه، حتى يئس من إقناعهم وإقلاعهم عن هذا الفكر فكتب كتابه “دعاة لا قضاة” مستعينا بابنه المستشار مأمون الهضيبى والأخ مصطفى مشهور وكان الحق ما رآه لأن تكفير المسلم ليس بالأمر الهين فى العقيدة الإسلامية مهما بلغ المسلم فى انحرافه وقسوته” (عمر التلمسانى – ذكريات لا مذكرات 1985).

ولعله من اللافت للنظر أن المستشار مأمون الهضيبى قد نفى فى وقت لاحق أن سيد قطب كان تكفيريا فهو يقول فى حوار مع الباحثة كريمان المغربى “إنه لا يشم من كتاب سيد قطب معالم فى الطريق بأنه يكفر الناس” (كريمان المغربى – الإخوان المسلمون من حسن البنا إلى سيد قطب (1997) ص354).

وكذلك أكد عمر التلمسانى “لا أعتقد أن كتاب معالم فى الطريق فيه جديد، ولكن بما أنه كتب فى السجن بعد أن ذاق ألوان العذاب على قسوتها ووحشيتها “وقد قلنا من قبل إنه ربما كان الوحيد الذى عومل فى السجن معاملة حسنة بل ومميزة” فقد بدأت نقمته على مخالفة الشرع أوضح وأظهر، وما أراد الأستاذ سيد قطب أن يكفر مسلمًا لأنه أعلم المسلمين بأن رسول الله قال فى أكثر من حديث إن من قال لا إله إلا الله مؤمنا بها بقلبه فلن يخلد فى النار، ونحن نعلم أنه لن يخلد فى النار إلا الكافرون الذين ينكرون وحدانية الواحد القهار أما كثرة ترداده لكلمة “المجتمع الكافر” و”المجتمع الجاهلي” فلم يقصد بها تكفير المجتمع ولكن تشديد النكير على الظلمة والطغاة، والذين يعرفون سيد قطب ودماثة خلقه، وجم أدبه، وتواضعه، ورقة مشاعره يعرفون أنه لا يكفر أحدا، إنه داعية إسلامى فى عيون الدعاة فظلمه من أخذ كلامه على غير مقاصده” (وقد تناسى الأخ عمر التلمسانى أنه قال “إن مجموعة من شباب الإخوان قد رسخت فى أذهانهم فكرة التكفير” ناسيا أن مصدرها وصاحبها كان سيد قطب”، أما أحمد عادل كمال وهو أحد القادة المؤسسين للجهاز السرى الإخوانى فقد قال “إن العبارات التى وردت بكتاب المعالم كل فهمها بمفهوم خاص، وأن التكفير ظهر أول ما ظهر على يد شكرى مصطفي” (حوار مع كاريمان المغربى – المرجع السابق – ص354) بينما يؤكد الأستاذ صالح أبورفيق (المرشد العام للجماعة بعد عمر التلمساني) “أن سيد قطب قد كفر المجتمع فعلا، لكن فكره قاصر عليه وعلى مجموعته” (المرجع السابق – ص355) لكننا وقبل أن نغادر هذا الموضوع يتعين علينا أن نتوقف أمام شهادة مثيرة للدهشة وما أكثر ما يثير الدهشة فى الكتابة عن سيد قطب وهى شهادة اللواء فؤاد علام وكان أحد أهم قادة الأمن المهتمين بملف الإخوان فهو يقول “كتاب “دعاة لا قضاة” صنعته مباحث أمن الدولة، وابنه مأمون كان الكوبرى الذى عبرت عليه فصول الكتاب من المباحث إلى المرشد، فقد خططنا لأن نستغل جناحا كان معارضا إلى حد ما لفكر التكفير، ونجح الأمن فى أن يدفع حسن الهضيبى دون أن يدرى لأن يصدر الكتاب، وحقيقة الأمر أن حسن الهضيبى لم يشارك بأى رأى أو فتوى فى هذا الكتاب ولم يفعل فيه شيئا وإنما تم إعداده بواسطة بعض علماء الأزهر، وشاركهم فى الإعداد بعض المعتقلين من الإخوان الذين كانوا يتعاونون معنا مثل عبدالمتعال الجابرى وسعدالدين متولي، ورسمنا خطة أمنية دقيقة لإدخال الأبحاث والآراء لبعض العناصر الإخوانية فى ليمان طره، وكانوا يجتمعون بمأمون الهضيبى ويناقشونه ويسلمونه الأبحاث ويقوم هو بنسبتها إلى نفسه ويسلمها لوالده (لواء فؤاد علام – الإخوان وأنا (1996) – ص221، 222) وعلى أية حال فإننا نجد أنفسنا ملزمين أكاديميا بإيراد هذه الشهادة كما هي..

ونواصل

 

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy