برنامج عمل الحكومة بين أهداف الثورة و ضغوط الثورة المضادة
هذا هو أول برنامج تضعه أول حكومة أمام أول برلمان بعد تطبيق الدستور الجديد الذى أقره الشعب المصرى فى يناير 2014. وهذه لحظة فارقة، لأننا نبنى نظاما سياسيا جديدا، يتمدد فيه نفوذ السلطة التشريعية (مجلس النواب)، و ينكمش فيه نفوذ السلطة التنفيذية (رئيس الجمهورية و الحكومة). و طبقا للدستور الجديد، لا بد أن تحصل الحكومة على موافقة البرلمان عليها و على برنامج عملها و إلا اعتبرت مستقيلة و يجرى تشكيل حكومة جديدة. واللافت للنظر أنه باستثناء إشارة فى البيان الذى قرأه رئيس الوزراء على مجلس النواب، لم يرد أى ذكر فى برنامج عمل الحكومة لثورة 25 يناير. و لا عزاء للثوار؛ فمصر تمر الآن بمرحلة هيمنة قوى الثورة المضادة. وقد انعكس ذلك بشكل واضح على التوجهات الرئيسية للوثيقة التى قدمتها الحكومة إلى المجلس يوم 27 مارس الماضى.
و سوف نركز هنا على الرؤية و البرنامج الإقتصادى للحكومة و العدالة الإجتماعية كما جاءت فى المحور الثالث والرابع من البرنامج. الرؤية هى ” مصر 2030″. وجوهرها اقتصاد سوق منضبط، يتميز باستقرار أوضاع الاقتصاد الكلى، قادر على تحقيق نمو احتوائى مستدام، و يعتمد على المعرفة، يكون لاعبا فاعلا فى الاقتصاد العالمى قادر على التكيف مع المتغيرات العالمية، و يوفر فرص عمل لائق و منتج، ويصل بدخل الفرد إلى مستوى الدول ذات الدخل المتوسط الأعلى بحلول عام 2030. وهذه بلا شك رؤية نبيلة ذات أهداف طموح. لكن الحكومة لم توضح إجراءات محددة بدقة لتحقيق هذه الأهداف، مكتفية بعبارات إنشائية أقرب إلى التمنيات منها إلى السياسات. بل إن المشكلة الحقيقية هى أن برنامج الحكومة الذى جاء تفصيلا فى 205 صفحات يذهب عكس هذه الرؤية تماما. و لذلك فرغم موافقتنا على الرؤية، إلا أننا نعارض البرنامج المطروح لتحقيق تلك الرؤية.
و دون الدخول فى تفاصيل ركائز الإصلاح الإقتصادى كما جاءت فى البرنامج، نلاحظ أن التوجه العام لها هو البحث عن حلول لمشكلات الاقتصاد المصرى فى الخارج، بدلا من إصلاح حقيقى فى الداخل. و الدليل على ذلك أن البرنامج ينص على ضرورة ”…التواصل المستمر مع المؤسسات المالية الدولية و مؤسسات التقييم السيادى بشكل ممنهج لاستصدار شهادات الثقة فى مدى ملاءمة (!) السياسات المتبعة من قبل الحكومة لإدارة الشأن الاقتصادى …“ (برنامج عمل حكومة المهندس شريف إسماعيل، ص 39). يعنى الحكومة تنظر إلى صندوق النقد الدولى و البنك الدولى و مؤسسات التقييم و ليس إلى مجلس النواب أو الشعب المصرى للحصول على صك الصلاحية. وهذا هو بيت القصيد أو مربط الفرس كما يقولون. فقد كان هذا بالتحديد هو نفس توجه نظام مبارك الذى ثرنا عليه، و نفس السياسات التى أوصلتنا إلى ما نحن فيه الآن. فهل ذهبت أرواح شهدائنا سدى وسالت دماؤهم هباء؟! نريد إجابة على هذا السؤال.
قلنا مرارا أننا بحاجة إلى التعامل مع اقتصادنا معاملة اقتصاد الحرب، و ليس السير على نفس الدرب بإجراءات مبعثرة هنا و هناك. ولم نجد كلمة واحدة عن تبنى برنامج تقشف لضغط الإنفاق الحكومى البذخى، ولا عن فرض ضرائب تصاعدية أو ضرائب على الأرباح الرأسمالية فى البورصة. ولا يبدو أن الحكومة تستشعر خطورة ترك الجنيه المصرى فريسة للتسيب فى مجال الإستيراد و لضغوط حركة رؤوس الأموال من مصر وإليها من خلال البورصة. وبدلا من ذلك تتبنى “سياسة اقتراض يغلب عليها الحصول على القروض الميسرة وهو ما سيسهم فى تمويل فجوة الميزان التجارى والجارى بجانب إتاحة الفرص لإعادة تكوين إحتياطى مناسب من النقد الأجنبى لدى البنك المركزى.“ (ص46). وتتناسى الحكومة ما يمثله الإقتراض من تهديد للاستقلال الوطنى و لمستقبل الأجيال القادمة.
12/4/2016

التعليقات متوقفه