نائب الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

تؤكد الوقائع أن الحركة الجماهيرية، وإن كانت شهدت تراجعاً فى الفعل الانتفاضي، إلا أنها – على الوجه الآخر – شهدت نهوضاً ملحوظاً ومميزاً فى ميدان النضال الإجتماعي بالتصدي للسياسات المجحفة للسلطة، لا بل إرغامها على التراجع عن بعض هذه السياسات، والرضوخ للمطالب المحقة، كقضايا المعلمين وحقوقهم، والتعديلات على قانون الضمان الاجتماعي، والسطو على صناديق اتحاد العمال بشقيه. إن كل هذا يؤكد قدرة الحركة الشعبية على التأثير فى سياسات السلطة بالضغط الجماهيري لإرغامها على التسليم بحقوق الطبقات الشعبية، ووقف تدهور أوضاع الفئات الوسطى، والتراجع عن سياساتها الفاشلة، لصالح البدائل الوطنية الديمقراطية كالعمل بقرارات المجلس المركزي وإعادة الاعتبار للبرنامج الوطني الفلسطيني الموحد، فى مواجهة الاحتلال والاستيطان، ووقف الرهان على المشاريع المعلقة بين الطارق والسماء، كالمبادرة الفرنسية التي باتت تشكل، فى ظل إفلاس برنامج السلطة وسياستها، خشبة الإنقاذ الوهمية.
“الطريق المسدود”
الإفلاس السياسي لم يقتصر على أحد جناحي السلطة، بل طال كذلك سلطة الأمر الواقع فى قطاع غزة ممثلة بحركة حماس، وقد وصل مشروعها الانقسامي، ومشروع المحاصّة الثنائية لإقتسام السلطة والمال والنفوذ، إلى الطريق المسدود وبات يصطدم بالعراقيل والصعوبات اليومية التي تضعف من مشروعها للانفراد بالسلطة فى قطاع غزة، وتثلم هيبتها وتحد من قدرتها على إدارة شئون القطاع بكل جوانبه الأمنية والاقتصادية والخدمية والإدارية، بديلاً لسلطة رام الله وحكومتها.
لقد تجلّى المأزق فى أداء سلطة الأمر الواقع بتراجع قدرتها المالية، وتنامي التناقضات الاجتماعية بين قيادة الحركة وقاعدتها المنظمة، وتعطيلها كل أشكال الديمقراطية كالإنتخابات فى الجامعات والاتحادات الشعبية والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني وفرض هيمنتها عليها بسلطة الأمر الواقع. هذا فضلاً عن مأزقها الأمني كحركة مقاومة معنية برعاية شروط التهدئة وصولاً إلى قمع الحركة الشعبية وتطويق الانتفاضة، وتعطيل مفاعيل استنهاض الأخيرة للأوضاع العامة فى قطاع غزة بوجهة إدارة الصراع مع الاحتلال والتصدي لأعماله العدوانية اليومية. إلى كل ما سبق، نضيف فشل رهانات حماس بتثمير الالتحاق بالمحاور الإقليمية، والصفقات التي تعقد على هامشها، كالمصالحة الإسرائيلية التركية وما تركته من خيبة أمل عامة، بعد إنكشاف زيف الوعود التركية برهن تطبيع العلاقات مع إسرائيل بفك الحصار عن القطاع أو بأقله تخفيفه. لقد أتت المصالحة التركية – الاسرائيية لتعزز منحى إنحسار الإهتمام الإقليمي والدولي بالواقع الإنساني المؤلم لقطاع غزة جرّاء الحصار الظالم الذي يتعرض له منذ تسع سنوات. إن انحسار الاهتمام الخارجي بأوضاع القطاع له أيضاً بعد سياسي لا يقل – من حيث تأثيره المباشر على التطورات – بل يفوق أهمية البعد الإنساني، ومن نتائجه تشجيع إسرائيل على التحضير لعدوان جديد على القطاع، سيكون الرابع من نوعه فى السنوات الأخيرة بعد حروب «الرصاص المصبوب»(2008 / 2009)، و «عمود السماء» (2012)، و «الجرف الصامد» (2014). هذا ما تشير إليه على أية حال التصريحات المتواترة على لسان قمة الهرم السياسي التنفيذي (نتنياهو، ليبرمان..).
إن السلطة فى قطاع غزة، والتي تقوم على إدامة الانقسام، بلغت هي الأخرى، نهاية الطريق، لكنها لم تُسلِّم بالوصول إلى الفشل، ومازالت تعتاش على سياسة تجيير الانقسام ورهن القطاع، فى خدمة مصالح بعض المحاور الإقليمية، مقابل تعطيل وإفشال محاولات المصالحة وإنهاء الانقسام، على حساب المصالح السياسية والوطنية الاجتماعية لأبناء شعبنا فى قطاع غزة، وعلى حساب مجمل القضية الوطنية التي مازال الانقسام يشكل خاصرتها الرخوة، فى الصراع ضد الاحتلال والاستيطان.
“ الهيمنة الحزبية”
يتبارى الطرفان (فتح وحماس) فى إدانة الانقسام وفى الدعوة لإنهائه، لكنهما يتمسكان بمصالحهما الفئوية على حساب المصلحة الوطنية العليا، وما الشروط والشروط المضادة، التي يشهرها كل طرف فى وجه الطرف الآخر، إلا تأكيد فاقع على ذلك، كإصرار حماس على حل مشكلة الموظفين المعيّنين فى عهدها (وعددهم يتجاوز الـ 40 ألفاً) من خلا ل إعتمادهم فى ملاكات السلطة، ما يبقي ويشرِّع ويعزز هيمنتها على قطاع غزة من داخل المؤسسة نفسها؛ وما شرط حركة فتح إعادة بسط سيطرتها على الإدارة والأجهزة الأمنية إلا الوجه الآخر لشروط حركة حماس، وهي فى كل الأحوال شروط حركة تنتهك ما إتفق عليه حول تحرير الإدارة والأجهزة من الهيمنة الحزبية، واعتماد شروط بديلة تبعد المؤسسة الرسمية عن كل أشكال الصراع الحزبي ونفوذه.
القرار الأخير لحكومة السلطة الفلسطينية فى رام الله بتنظيم الانتخابات المحلية والبلدية، صدر تحت ضغط الإرادة الشعبية وضغط مؤسسات المجتمع المدني، وهو وإن كان محاولة لتنفيس الأجواء الشعبية التي تزداد احتقاناً فى مواجهة السلطة يوماً بعد يوم، إلا أنه يشكل فرصة إضافية لتعبئة الحركة الشعبية لدخول إستحقاق الإنتخابات بإعتباره حقاً ديمقراطياً من الحقوق الثابتة لأبناء شعبنا، لا يحق لأحد أن يصادره لا فى الضفة ولا فى القطاع، وهو شكل من أشكال حق الشعب الفلسطيني فى تقرير مصيره. إن أية محاولة لتعطيل هذا الاستحقاق، إنما تشكل تعدياً على الحركة الشعبية، وعلى الديمقراطية، وعلى حقوق المواطن فى اختيار ممثليه بإرادته الحرة، بديلاً لسياسة الهيمنة والتعيينات الفوقية على أسس مصلحية وفئوية ضيقة.
كذلك تشكل الدعوة للإنتخابات المحلية والبلدية (والجهوزية التي أبدتها اللجنة المركزية للانتخابات) دليلاً على إمكانية تنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية شاملة فى الضفة والقطاع، الأمر الذي يتطلب تطويراً فى أداء الحراك والضغط الجماهيري، على طرفى الانقسام، لإخراج الحالة الفلسطينية من دوامة المناورات المفضوحة هنا وهناك، واعتماد الانتخابات الشاملة، وإعادة بناء المؤسسات وفقاً للإرادة الشعبية الحرة، مدخلاً لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الداخلية بديلاً للمناورات والمشاورات ومباحثات المحاصّة الثنائية بين فتح وحماس، والتي أثبتت، بعد تسع سنوات من الإنقسام المدمر، عدم الالتزام بما يتم التوصل إليه من حلول وطنية بالحوار الشامل.
“ سياسة القمع “
تراجع الفعل الإنتفاضي تحت وطأة الحصار والتطويق على يد أجهزة السلطة الفلسطينية، وبنتيجة سياساتها الفاشلة، ما هو إلا مرحلة مؤقتة فى حياة الحركة الشعبية الفلسطينية تمهد لمرحلة قادمة تستعيد فيها الإنتفاضة والحركة الجماهيرية نهوضها وحيويتها، بشكل أكثر تقدماً، وأكثر قدرة على الفعل والتأثير. فالعناصر الموضوعية لتجديد الحراكات الإنتفاضية والمقاومة الشعبية فى وجه الإحتلال والاستيطان مازالت قائمة، فى ظل إشتداد سياسة القمع والبطش ومصادرة الأرض والإغتيالات بدم بارد على يد سلطات الإحتلال وعصابات المستوطنين، أو فى المزيد من الإفلاس والفشل لرهانات السلطة على حلول تؤكد تباشيرها أنها حلول وهمية.
أثبتت حركة اللاجئين فى المخيمات والتجمعات السكنية فى لبنان، خاصة والشتات عموماً، قدرتها على التصدي لسياسات وكالة الغوث (الأونروا) الهادفة ليس فحسب لتقليص خدماتها، وما يترتب عليها من خفض المستوى المعيشي للاجئين، بل كذلك فى إعادة النظر بوظيفتها فى توفير الإغاثة والخدمات الصحية والتعليمية والوقائية والبيئية للاجئين، التي من أجلها تأسست ويتجدد تفويضها دورياً، لجهة تحويلها إلى منظمة للتنمية، بكل ما فى ذلك من إنعكاس سلبي على مجمل خدمات الوكالة وعلى مكانتها القانونية ودورها السياسي فى سياق صون حق العودة إلى الديار والممتلكات، والتصدي للحلول والسيناريوهات والمشاريع التصفوية البديلة. إن وحدة حركة اللاجئين، فى المخيمات والتجمعات السكنية، سواء فى الشتات أو فى المناطق الفلسطينية المحتلة، ستبقى الضمان الرئيس والسلاح الأكثر فعالية فى يد حركة اللاجئين للدفاع عن حقوقهم الإجتماعية والإنسانية والحياتية، وكذلك من أجل صون حقهم الثابت فى العودة إلى الديار والممتلكات.
“مقاطعة المنتجات الإسرائيلية”
إن العنصر الذاتي هو ما يحتاج إلى استنهاض من قبل القوى الوطنية والديمقراطية لتجديد فعل الحركة الشعبية. وواحد من مكونات العنصر الذاتي أن يقدم البديل الوطني الديمقراطي نفسه إلى الحالة الشعبية برنامجياً، وفى الشارع، وأن يتقدم الصفوف فى الميدان، فى مواجهة الإحتلال والإستيطان، ومن أجل حق الأسرى فى الحرية وفى الدعوة الضاغطة إلى وقف التنسيق الأمني، ومقاطعة المنتجات الإسرائيلية، ودعم المقاومة الشعبية بكل الأشكال والوسائل، وتدويل القضية والحقوق الوطنية الفلسطينية، وتفعيل الدعاوي الفلسطينية فى محكمة الجنايات الدولية ضد مجرمي الحرب الإسرائيليين، ونقل قضية الإستيطان والأسرى إلى مجلس الأمن الدولي، والمطالبة بانعقاد مؤتمر دولي تحت رعاية الأمم المتحدة لحل القضية الفلسطينية وقيام الدولة المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس بحدود 4 حزيران (يونيو) 67، وصون حق عودة اللاجئين فى العودة إلى الديار والممتلكات الذي يكفله القرار 194. وفى مواجهة الإنقسام، نجدد الدعوة إلى إعادة بناء المؤسسات التشريعية والتنفيذية لمؤسسات منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، وتفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني والأهلي فى الوطن والشتات على أسس ديمقراطية، ورفض وإدانة إستخدام المال السياسي، وسياسة التوظيف الزبائني فى مؤسسات السلطة، ومكافحة مظاهر الفوضى والفساد، وتعزيز دور الحركة الشعبية فى مقاطعة المنتجات الإسرائيلية، وصون المصالح المعيشية للطبقات الفقيرة والوسطى وأصحاب الدخل المحدود، والدفاع عن حقوق المرأة والشباب.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy