شكشكة.. حضرة المحترم نجيب محفوظ 1/5
قبل ثلاثة عشر عاما كان كاتبنا الكبير نجيب محفوظ يعيش بيننا ويملأ وجداناتنا بالحب و الاحترام له و لفن الرواية الأثير الى قلبه حتى توفى 30 أغسطس 2003. و لا ينكر إلا مكابر أن العديد من الروائيين العرب تدثروا بمعطف نجيب محفوظ ، وساروا على نهجه، وكلهم تابعوا باهتمام إبداعاته الأدبية التى كانت تتدفق حتى أعوامه الأخيرة. كنت أحبو على طريق الرواية عندما صدرت روايته ( حضرة المحترم ) عام 1975، فلم أكن قد نشرت سوى روايتين. قرأت الرواية و استفزتنى، ولعلها كانت أحد الأسباب التى حفزتنى للتعبير عن رأى المرأة فى كل أمور الحياة. وقد كرست كل كتابتى لهذا الهدف و شرعت قلمى سلاحا فى وجه كل من ظننته يسىء اليها دون وجه حق، حتى تكللت مجهوداتى بالتعيين رئيسة لتحرير مجلة “حواء”، فوجدتنى أتذكر عبارة وردت على لسان بطل رواية “حضرة المحترم “ المرأة هى الحياة. الموت نفسه يكلل بجلاله الحق بين يديها”، واتخذت الفقرة الأولى عنوانا للافتتاحية الأسبوعية للمجلة. يقول الكاتب الكبير فى أحد أحاديثه الصحفية بأنه ككاتب يتسم بما يسميه ( الحياد التكتيكى “ هذا الحياد التكتيكى يمكننى أن أتيح للقارىء أن ينظر للأمور فى وجوهها المختلفة نظرة تساؤل وتأمل. وأنا لا أبتر الطريق للقارىء وأسبقه للحكم على الأفكار أو المواقف، وانما أمهد له ليحكم بنفسه، ولكن هذا التمهيد نفسه لا يمكن أن يكون باطنه كظاهره محايدا وانما يتضمن باطنه بالضرورة رأيا وموقفى”.
إذن فرواية “حضرة المحترم” تكشف بجلاء رؤية الكاتب العالمى نجيب محفوظ فى الحياة وموقفه من المرأة. و القصة تدور حول رجل خان قلبه وأعطى ظهره للحب وراح يبحث عن امرأة من الطبقة الاجتماعية العليا لتكون واحدة من درجات السلم التى يصعد فوقها نحو هدفه الأوحد : منصب المدير العام.يقول البطل فى أحد مونولوجاته التى تتكرر فى الرواية “الهدف من الحياة هو الطريق المقدس.. طريق المجد، أو تحقيق الالوهية على الارض” .
هذا هو الهدف المقدس الذى يضعه عثمان بيومى بطل حضرة المحترم نصب عينيه : فإما العروس التى ترفع إلى العلا وإما العلا الذى يحظى بالعروس الباهرة، أنهما، طرفا مقص قويا الصلة الواحد بالآخر لا يمكن لاحدهما أن يتحقق دون الأخرى. ولكى يحقق ذلك الهدف كان على عثمان أن يتخلى عن المرأتين اللتين أحبهما حبا حقيقيا ( سيدة ) و(أنسية)، ويحطم ثالثة ( أصلة ) لأنه رأى أن أيا منهن لن تكون ذات نفع فى دفع حياته الوظيفية.
. وهو يتوقف ليسأل نفسه : أيهما الغاية وايهما الوسيلة، المرأة أم الدرجة ؟! ويبدو أن هذه “التيمة” قد شغلت كاتبنا الكبير كثيرا لأنها تكررت فى أكثر من رواية له.
الصراع الذى يؤرق الموظف الفقير بين تطلعاته للترقى الاجتماعى وإمكانياته المحدودة، و تكون المرأة إحدي درجات سلم الصعود كما فى روايتنا هذه، وفى “القاهرة 30”، حتى و إن جاء ذلك على حساب مشاعر البطل أو حتى شرفه.
إنها قصة ملايين المصريين الذين حرموا لعهود طويلة من فرص الترقى والشهرة و الثراء بسبب أصولهم المتواضعة، وتروى القصة الثمن الفادح الذى يدفعه البعض فى سبيل تحقيق حلم ال صعود، فإلى الأسبوع القادم بإذن الله.

التعليقات متوقفه