الذاهبون إلى المستقبل
فاجأتنا الشاشات التليفزيونية بأن حفل ختام الدورة الأولمبية المقامة فى مدينة “ريو” بالبرازيل ليس صباح الاثنين 22 من اغسطس ولكنه مساء الاحد، التاريخ صحيح ولكنها فروق التوقيت التي جعلت الحفل يبدأ الساعة الثانية صباحا ونحن نائمون وينتهي فى الرابعة ونحن متعمقون فى الاحلام أو الكوابيس.. لكن هناك من لم ينم، وكثيرون ولست وحدي، فقد اضافت مباريات الدورة واحداثها وهذا الحراك الانساني فى اتجاه آخر يعيد عن مجمل ما نراه على الشاشات الصغيرة الآن، آضافت مشاعر من البهجة والحماسة والعودة إلى الإيمان بالتسابق الإنساني النبيل وقدرة البشر على التنافس والتفوق من خلال مهاراتهم الشخصية وجهدهم بجانب ما توفره الإمكانات المادية والتكنولوجيا لغيرهم، ولابد من الاشارة هنا للمقدمة الفنية التي وضعت لتسبق العرض اليوم بالمباريات والتي تأخذ من الرياضة والفن ملامحها فى اطار ألوان دافئة ومبهجة تمزج بين درجات البرتقالى والاخضر ويتحرك اللاعبون واللاعبات فى اطارها كما لو كانوا اسماكا تسبح فى عالم شديد الجمال والانسيابية يضع الجنسين على قدم المساواة فى الابداع وللأسف فإن من ركز مشاهداته فقط على القنوات المصرية خاصة (نايل سبورت) لم يستطع رؤية الصورة بكاملها لاجتزائها، فقد نقلت قنوات حصر ما قدمته من مباريات الدولة من خلال بعثة “اتحاد الاذاعات العربية” ومراسليها بينما قامت قنوات كل من تليفزيون (ابو ظبي) و(دبي) بتغطية الحدث منفردتين فاستطاعتا تقديم شاشة أخري للمشاهد تمثل معادلا موضوعيا لما يراه على الشاشات الاخري، شاشة كلها مشاعر انسانية راقية، ومنافسات علنية شفافة ومحاولات لا تنتهي لاحراز ارقام جديدة أو للحفاظ على أرقام سابقة، وسلوكيات متعددة للتعبير عن الفرحة أو الاحباط، وتآزر وطني لابناء الوطن الواحد، باختصار جاء هذا النقل الكبير للدورة ليفلت بنا لمدة اسبوعين من حصار السياسة ومتغيراتها وارتفاع الاسعار وفرص الصندوق وغيرها من الموضوعات التي جعلت المشاهدة صعبة وابعدت التفاؤل عن مشاهدين يجلسون أمام الشاشات بحثا عن التفاؤل والجمال والراحة..
أنتم يا منظمات المجتمع المدني
مفاجآت حفل الختام كانت أروع مما سبقه، فقد استعد لها البرازيليون ولم يكونوا وحدهم وانما نافسهم رئيس اللجنة الدولية للاولمبياد (توماس باخ) الذي القي كلمة تحية بالفرنسية ثم الانجليزية أعقبت الكلمة التي القاها رئيس اللجنة المنظمة فى البرازيل والذي شكر كثيرا هؤلاء “الابطال” كما سماهم من شعبة الذين استجابوا لدعوة النهوض باسم بلادهم من خلال تنظيم الدورة وتسهيل الحياة على القادمين إليهم من الرياضيين والسائحين، أما باخ المسئول عن كل الدورات فى العالم، فقد فتح الباب أمام ملاحظات من نوع آخر قام بها الناس فى البرازيل، فإذا كانت الحكومة قد راعت قرب الملاعب وساحات التنافس من بعضها البعض فإنها والمستثمرون اقاموا اماكن الاقامة من فنادق وغيرها بالقرب من الملاعب حفاظا على الوقت والجهد للجميع، أما الشكر الاكبر فقد وجهة للجمعيات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني البرازيلية التي شاركت كلها بجيش من المتطوعين لتسيير رحلة كل اجنبي وصل ليشارك فى الدولة، وفى لفتة معبرة تقدم رئيس اللجنة إلى عدد من الاولاد والبنات من هذه الجمعيات وقدم لهم هدايا تذكارية واعتراف بجهدهم فى رسالة واضحة للعالم من أن الشرف لا يتجزأ وكذلك الانجاز، فإذا كانت الاضواء مسلطة على أهل القمة بحكم العادة، فإن “الناس اللي تحت” لديهم من الأهمية للاضافة إلى الصورة الكاملة للحدث بالسلب او الايجاب، وقد اعترفوا بجهدهم الايجابي على الرغم مما تعانيه البرازيل من قضايا عديدة كبلد.. اخيرا، فإن العرض الذي قدمته اليابان داخل حفل الختام اعلانا عن تنظيمها للدولة القادمة هو درس جديد آخر من هذا البلد الرائع الذي حضر منه رئيس وزرائه وايضا السيدة عمدة مدينة طوكيو وليقولوا لنا جميعا انتظروا منا الكثير والكثير فسوف نبهركم وسوف نقدم لكم بعد اربع سنوات ما لا تتخيلونه وهذه مجرد “عينة” فقط!
بالله عليك أيها المشاهد المصري والعربي، ما هي مشارعرك وسط كل هذا الجمال والفرحة والبهجة والاصرار على التحدي بالعلم والفن والتكنولوجيا وقبل هذا البحث عن البشر الاكثر مقدرة فى كل شبر.. انك لابد وأن تكون سعيدا حتي لو ادركت صعوبة تحقيق هذا فى بلادك.. ولابد أن يصيبك جزء من سعادة الاخرين سواء الابطال الراحلون لبلادهم.. أو أهل البلد انفسهم وعليك أن تشارك إلى حين ميسرة.

التعليقات متوقفه