ضد التيار: محاكم تفتيش برلمانية
التوصية التي أصدرتها لجنة الشئون الدينية فى مجلس النواب، برفض قرار الدكتور جابر نصار رئيس جامعة القاهرة بحذف خانة الديانة من الأوراق والمستندات الطلابية، تدخل صارخ فى شئون السلطة التنفيذية، يرفضه الدستور، الذي يقضى بالفصل التام بين السلطات.
قامت الدنيا ولم تقعد منذ أصدر الدكتور نصار قراره، مفسراً إياه، بأن خانة الديانة تستخدم للتمييز بين الطلاب بسبب عقائدهم الدينية، فاتخذ قرارا يدخل فى صلب اختصاصاته الوظيفية، وفى سياق توجه الدولة نحو تخفيف هذه التوترات الطائفية، وتجديد الخطاب الديني. لكن فيما يبدو فإن وزير التعليم العالي الذي اعترض على قرار رئيس جامعة القاهرة، لم يتوقف عند ذلك، بل أخذ يحرض عليه رؤساء الجامعات الإقليمية فى المحافظات الأخرى، ليخرج علينا من حين لآخر رئيس إحداها مؤكدا، أن القرار لا يسري سوى على جامعة القاهرة وحدها كأنه رجس من عمل الشيطان، يتبرأ منه.
وفيما يبدو أن وزير التعليم العالي، لم يعجبه إصرار الدكتور نصار على تنفيذ قراره، فاستعان عليه بقوى عظمى، فذهب للجنة الدينية فى مجلس النواب التي باتت الذراع الطولي، هي وأعضاؤها والمتعاطفون معها، تمتد لقمع كل من تسول له نفسه تجديد الخطاب الديني، وتوسيع نطاق الحريات فى المجتمع، ورفع الوصاية التي يريدون فرضها عليه.
فقد سبق أن شاركت اللجنة، فى إجهاض مشروع القانون الذي تقدمت به النائبة الأكاديمية دكتورة آمنة نصير أستاذ الفلسفة والعقيدة الإسلامية بجامعة الأزهر، لإلغاء نص فى قانون العقوبات لما يسمى بعقوبة إزدراء الأديان، وتستعد اللجنة هذه الأيام لاستصدار تشريع يمنع من يسمونهم غير المتخصصين من الحديث فى الشئون الدينية، وهو المشروع الذي يعد لملاحقة « إسلام بحيري « بعد الغضب الذي عبر عنه أعضاؤها للعفو الرئاسي، الذي طال « بحيري « ضمن آخرين، وأخرجه من عقوبة السجن، التي لم يكن يتبقى على انقضائها سوى أربعين يومًا فقط.
توصية اللجنة الدينية غير ملزمة للدكتور جابر نصار، وكما قال فى البيان الذي أصدره أنه قرار إداري صدر وفقا للاختصاصات القانونية والدستورية لرئيس الجامعة، وأنه لا عودة عن القرار، إلا بصدور حكم قضائي، يقضى بذلك أو صدور قانون من مجلس النواب، يلزم الجامعة بوضع خانة الديانة.
مبررات التوصية جاءت أكثر سخفا من صدورها، إذ ارتدى الدكتور أسامة العبد رئيس اللجنة الدينية ثوب الواعظين، مطالبا رئيس الجامعة بتقديم أفكار جادة تستفيد منها مصر كحلول للأزمات الاقتصادية والاجتماعية، ولماذا لم تفعل أنت ذلك يادكتور أسامة وتلك هي مهامك الأساسية فى البرلمان ؟ ومن قال لك غير السلفيين أن الغاء خانة الديانة ومنع المنتقبات من التدريس بجامعة القاهرة قرارات لا تستفيد منها مصر ؟
لقد تحولت اللجنة الدينية فى البرلمان إلى سلاح فى يد القوى الرجعية المعادية للحريات التي تسيطر على قرار التشريع داخل مجلس النواب، لمواجهة كل دعوات المراجعة للفكر الديني السائد، الذي يعادي العصر، والحياة، ويبشر بالقتل والتخلف وإسالة الدماء ويحتقر المرأة ويروج للأساطير والخرافات التي تسيطر على عقول العامة وتسير حياتهم.
تذكرني توصية اللجنة الدينية بالبرلمان، بمحاكم التفتيش التي عرفتها أوروبا فى العصور الوسطى الظلامية، والتي كان يتصدرها كهنة يمنحون أنفسهم حق محاكمة البشر بمجرد الشبهات بما كانوا يسمونه الانحراف بالعقيدة، أو جريمة الهرطقة التي كانت تطول كل من اختلف معهم فى تفسير النص الإنجيلي بالإتهام بالكفر والنفى ومصادرة الممتلكات والقتل والسجن والتعذيب.
ويا أساطين اللجنة الدينية بيننا وبينكم الدستور الذي ينص على الفصل التام بين السلطات، ويضع قواعد بناء مصر دولة مدنية ديمقراطية حديثة، ويخلو من أي نصوص، تمنح اللجنة الدينية حقوقاً للوصاية على المجتمع !
فاعتدلوا يرحكم الله.

التعليقات متوقفه