فخرى لبيب..المناضل والمفكر وهب حياته للد فاع عن وحدة اليسار المصرى

381

فى عام 1947 احترقت كنيسة فى الزقازيق، وصمم الشباب المسيحي فى شبرا حيث كنت أسكن على إحراق مسجد وداخل الكنيسة خضت حوارًا طويلاً مؤكدًا أنها مؤامرة استعمارية تستهدف إلهاء المصريين عن النضال ضد الاحتلال، بإشعال نيران التطرف المتبادل، كسبت الأغلبية إلى صفى أما الأقلية فقد هددتها بمنعها بالقوة، وماتت الفتنة فى مهدها.
فخري لبيب «فى حواري معه»..
الجد عامل خراطة فى السكة الحديد، شقي كثيرا كي يعلم أولاده فأصبح أحدهم معاون تلغراف وآخر ناظر محطة إلخ، أبوه أصبح معاون محطة افني حياته كي يعلم أولاده «عايزكم تبقوا أحسن مني» هكذا كان يكرر ونجح فقد أصبح من الأولاد ضابط وطبيب ومحاسب وجيولوجي، فخري هو الجيولوجي ترتيبه الثاني بين سبعة أخوة، تنقلت الأسرة مع الأب من بلدة لأخري، وهكذا عاش فخري متنقلا بين طما، أبوقرقاص، جرجا، الفيوم، أسوان وبلاد عديدة أخري، تعلم كالمعتاد فى المدرسة الإلزامية وكالمعتاد حفظ القرآن مع التلاميذ دون أن يستشعر أي حساسية، يقول فخري «كانت الوحدة الوطنية على أيامنًا راسخة فى وجدان كل مصري وكان المدرسون يلقوننا أن الدين لله والوطن للجميع»، والمدارس كانت زمان تمتلك مكتبات قرأ فخري فيها المقتطف والرسالة وكتب المنفلوطي والمدرسون أيامها كانوا مدرسين حقًا، مدرس التاريخ حكي لهم بحماس شديد أحداث الثورة الفرنسية «ومن فرط حماسه سميناه ميرابو»، ومدرس اللغة العربية كان يستعيد معهم ذكريات ثورة 1919 ويقول فخري «وكان أبي يستعيد هذه الذكريات معنا ويستعيد بحزن شديد ذكري خالي الذي شنقه الإنجليز خلال أحداث الثورة، وحتي مفتش التاريخ جاء يوما إلى الفصل ودعانا أن يكون من بيننا أحمد عرابي آخر أو مصطفى كامل آخر» ويقول «أدمنت القراءة» وفى الفيوم حيث نقل أبي التقيت بصديق العمر عبدالله كامل وقمنا معا بتكوين جمعية القراءة كل عضو يدفع خمسة مليمات ونشتري رواية أو اثنتين ونتبادل قراءتها، أما مدرس الإنجليزية فقد كان إنجليزيا كان مترفعا ومتأففا على الدوام ولكي نغيظه كنا نستخدم الكلمة التي كان يرتجف كلما سمعها وهي «الاشتراكية» وكان يرد علينا الاشتراكية تعني أن تأكل فى طبق واحد مع خادمك ونرد عليه نحن فقراء وليس لدينا خدم، أما عالمي الآخر فهو المحطة، ألبس الجلابية وأذهب إلى أبي لأتفرج على عالم جديد ومتجدد ويأتي القطار بأهم شيء.. الصحف»، ثم نقل أبي إلى المحاميد «أسوان» حملت أوراقي إلى ناظر المدرسة الثانوية، الناظر رفض، ولا حيلة لي، وقفت بباب المدرسة من الصباح حتي انتهاء اليوم الدراسي والناظر يتابعني وفى اليوم الرابع قبلني مؤكدا أنه رفضني لأنني محول من مدرسة أهلية ويخشي أن أسقط فى امتحان «الثقافة» فتسوء نتيجة المدرسة «ولكن مادمت متحمسا للتعليم فلابد أنك ولد شاطر»، وفى أسوان التقيت مجموعة كانت تتحدث بشكل بدائي جدا عن الاشتراكية وانضممت إليهم وعلقت على جدار غرفتي صورة ستالين، وفى الجامعة كان منظر جنود الاحتلال فى شوارع شبرا يثير أعصابي وقررت أن أكون مجموعة لقتلهم وفاتحت أحد أصدقائي فى الكلية ودون أن يقول شيئا دعاني إلى اجتماع، وذهبت وجلست دون أن أدري أين أنا، ولكنني سمعت كلاما جديدا تماما، الماركسية، لينين، المادية الجدلية ولم أستوعب شيئا، فقط انتظرت أن يحددوا موعدا لنبدأ فى قتل الإنجليز، وانتقلت إلى خلية أخري وشرح لي المسئول أنه ليست القضية أن نقتل إنجليزيا وإنما أن نحرك الشعب لنطرد الاحتلال، وأصبحت عضوا فى منظمة ايسكرا» وخاض فخري نضالا متعدد الجوانب شارك فى تأسيس النادي المصري – السوداني، وزع مجلة الجماهير، شارك فى لجان مكافحة الكوليرا وتوحدت ايسكرا مع ح. م، وفوجئ مع كل الأعضاء العاديين أنه أصبح عضوا فى منظمة جديدة هي «حدتو»، وبعد فترة حدث أول انقسام فى حدتو قاده شهدي عطية وأنور عبدالملك وسمع عن تكتل سيف وسليمان «سيف هو أنور عبدالملك وسليمان هو شهدي» ووجد نفسه مع كل رفاق قسم شبرا فى التكتل، لكن التكتل انفرط بالقبض على شهدي وتناثرت منظمات صغيرة ووجد نفسه مع مجموعة صغيرة معزولين عن الجميع، كان أحدنا عنده مخزن للكتب الماركسية والأجهزة الفنية، كان شعار «التعميد» يحلق فوق رؤوس الجميع، فكان يعود من الجامعة ليلبس ملابس عمالية ويجلس على مقاهي شبرا الخيمة باسم «الأسطي مختار» وفى مقاهي امبابة باسم الأسطي عفيفي، «وبعد قليل تعلمت من التجربة أن دردشات المقاهي لا تحقق فعلا ثوريًا»، انضموا إلى «العصبة الماركسية» لكن الماكر فوزي جرجس ضمهم وأخذ منهم مخزن الكتب الماركسية وآلة كاتبة ورونيو ثم استبعدهم، لكن فخري واصل وبإصرار، والحقيقة أنني لا أدري من أين كان هذا الجيل يستدعي كل هذا الإصرار.
وكون مع عبدالله كامل ومنصور زكي والشهيد محمد عثمان تنظيمًا سموه طليعة الشيوعيين، الأسطي منصور زكي قام وبقروش قليلة بتصنيع مطبعة يطبع عليها نشرات أنيقة، وأصدروا نشرة «الصراع» ونشرة داخلية «الطليعة»، ترجموا بعض كتب الرفيق ماوتسي تونج وطبعها منصور، وتأتي ضربة أمنية فيقبض على القيادة عدا هو، وفى هذه الأيام حقق حلم أبيه وتخرج فى كلية العلوم قسم جيولوجيا لكن طموحه تحطم فالمتاح الوحيد مدرس أحياء وصحة فى مدرسة جريس الابتدائية الحرة فى كفر الزيات، ويقول «التلاميذ الفقراء علموني معني الفقر الحقيقي كانوا يمشون طوال المشوار من قراهم إلى المدرسة حفاة وعلي أبواب المدرسة يلبسون الحذاء حفاظا عليه، وقلت لنفسي بدلا من أن أكتشف الخامات الطبيعية كجيولوجي سأحاول اكتشاف حقائق المجتمع كشيوعي، وفى غمار ذلك كله كنت أسعي بجهد شديد فى بناء المنظمة من جديد ونجحت فى ضم عناصر عمالية ومثقفة وفيما تنهض المنظمة قبض على فى مايو 1954 وحكم على بالسجن ثلاث سنوات.
وفى السجن، شارك فخري بجهد رائع فى توحيد خمس منظمات «حدتو – التيار الثوري – طليعة الشيوعيين – النواة – النجم الأحمر» وتكون الحزب الشيوعي الموحد وأصبح فخري عضوا فى لجنته المركزية، وفى السجن تألقت قدرته الفنية أو بالدقة استعادها وكتب رواية «مذكرات مدرس»، وفى 1957 يفرج عنه ويصبح محترفًا ثوريًا، وواصل معركة توحيد الشيوعيين ويقول «كنت أعتبرها معركة حياة أو موت».
ويفلت فخري من حملة القبض الكاسحة فى ليلة أول يناير 1959 ويتفرغ لإعادة بناء الحزب ويحقق نجاحات كبيرة، ثم يقبض عليه، وفى السجن تتبدي معادن الرجال، فتحت وطأة التعذيب الوحشي كان فخري صامدا وشجاعا وقدوة، ويكتب فخري «افتتح اوردي أبوزعبل كسجن للشيوعيين يوم 7 نوفمبر ذكري الثورة البلشفية وكأن عبدالناصر كان يريد أن يعلن تحديه لنا» «الشيوعيون وعبدالناصر» ويصمد فخري ويصمد معه الرفاق، ثم يأتي قرار حل الحزب فى 1964، وبعد فترة عين جيولوجيا وشعر بالحرج الرجل الذي ملأ الشيب شعره يذهب مع بعثة جيولوجية إلى أسوان تحت رئاسة شاب صغير السن، وقرر أن يخوض التحدي، أن يثبت جدارته وأثبتها مسح الوادي من أسوان وحتي حلوان ويقول «وأصبحت دون أن أدري أهم خبير مصري فى الصخور الرسوبية» وتوالت اكتشافاته وجهوده العلمية وحصل على الماجستير ثم الدكتوراة التي حصل عليها وهو يوشك على الإحالة إلى المعاش، لكنه نجح فى أن يصبح واحدا من أشهر الجيولوجيين المصريين وأسس المركز الجيولوجي فى الفيوم، وسأله أحد زملائه أنت ترهق نفسك فما الذي يعود عليك من ذلك وفيما يستعد فخري للإجابة رد مسئول أمني كان حاضرا للنقاش قائلا «لأنه يريد أن يقول الناس الذي أسس هذا المركز فخري لبيب الشيوعي»، ويحين وقت التقاعد لكن فخري ليس من النوع الذي يتقاعد فانغمس فى العمل فى منظمة التضامن الأفريقي – الآسيوي ليصبح واحدا من أشهر الخبراء فى هذه الساحة، ونعود إلى نضاله السياسي فقد انضم إلى منبر اليسار منذ الوهلة الأولي ليصبح واحدا من قادته حتي أصبح عضوا بالمكتب السياسي، ولكنه يواصل فى الكتابة السياسية والترجمة وكتابة القصة وإعداد الأبحاث العلمية، وفوق هذا وذاك أسس فى مقر الحزب بالزيتون «ورشة الزيتون الأدبية» التي تحولت إلى منارة فكرية وثقافية يزهو بها اليسار، ويواصل فخري، يواصل ولم يزل، يناضل بكل ما تبقي من جهد ليحقق حلمه القديم عندما عاند ناظر أسوان الثانوية ووقف أمام باب المدرسة مطالبا بحقه فى التعليم، وها هو الآن يصبح ولم يزل معلما لجيل كامل من الثوريين.
يا عزيزي فخري.. سلامًا وتحية، ودمت لمصر وللتجمع.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy