ضد التيار: دور يا موتور
لم يكن يخطر ببال ليلى مراد ما آل إليه حال بلدها بعد نحو 65 عاما من شدوها لأغنيتها الوطنية الحالمة دور ياموتور. والأغنية التى كتبها بيرم التونسى ولحنها حسين جنيد، هى واحدة من أغنيات فيلم “سيدة القطار”الذى كتبه نيروز عبدالملك و أخرجه “ يوسف شاهين “ فى بداية مشواره الفنى عام 1952،وتم عرضه بعد شهر واحد من قيام ثورة 23يوليو.وربما لهذا السبب ولغيره من الأسباب، لم يكن حظ الفيلم من النجاح وافرًا لانشغال الوطن ومواطنيه بأحداث الثورة، ولعله لم يكن حاضرًا بشكل كافٍ فى أحاديث يوسف شاهين، وهو يروى بنفسه سيرته الفنية، لكن الأغنية ظلت حاضرة بقوة مع كل احتفال بعيد العمال، وكل مناسبة تمجد العمل وتشيد بالإنتاج المحلى وتروج له.
فى الفيلم تظهر ليلى مراد داخل مصنع للغزل والنسيج، وهى تقلب بزهو مع العمال أتواب متنوعة من القماش البديع،وصوت ماكينات الغزل الذى يعمل بكامل قوته، يتداخل مع اللحن وهى تغنى متباهية :” دور يا موتور، ياللى بتلعب أعظم دور، دور على كيفك، واغزل صوفك، لاهنا مراقب ولا كنتور، مصر الحرة، ولو تتعرى، ما تلبس مرة، نسيج من برة، لاحرير بمبة ولا كستور. دور يا موتور، خد يا أخينا من أيادينا، حاجة جميلة، وصنعة متينة، والله متينة، قُطِعتْ لندن وبيرستور، أحنا المغزل، وأحنا المنسج، واحنا نحضر واحنا نصدر، على مرسيليا وعلى دارفور.عصر الصنعة دا عصر النصر، والبسى تاج المجد يا مصر، وابنى عمايرك سبعين دور”.
هذه هى مصر الحرة الناهضة بالصناعة والمنصورة بالاعتماد على النفس، وبالبناء والتعمير والتصدير، كما صورها و حلم بها بيرم التونسى ويوسف شاهين وليلى مراد ونيروز عبدالملك،ولم يكن يدور بخلد احد منهم أن هذا الحلم المشروع والذى كان جزءًا منه محققا ويمشى على قدمين على أرض الواقع، يمكن أن يجهض ويصبح كابوسًا، بعد أن توقف مكن المصانع عن الدوران، وصارت آلاته ومواتيره خردة مكهنة فى المخازن،امتثالا لقوانين اقتصاد السوق المنفلت من كل ضوابط ،وتوثيقا للتحالف المشين الذى تم بين الرأسمالية الطفيلية غير المنتجة والسلطة، لتتراكم بفعل غيبة الضمائر وشيوع الفساد، ثروات حفنة من مافيا الاستيراد والتصدير التى أحالت مصر إلى سوق ليس فقط للأنسجة والملابس من شتى بقاع الأرض، من بنجلاديش وحتى إسرائيل، بل معرض لكل نفايات العالم!
يهل عيد العمال هذا العام، ومصر الحرة قد توقفت عن الزراعة والصناعة والإنتاج وحتى عن العمل، وغدت تستورد أكثر من 75% من طعامها واحتياجاتها من الخارج،من لقمة الخبز إلى الصاروخ،وأصبح المصدر الوحيد لأهلية المواطن وقدرته على التأثير فى أحداث وطنه، ليس علمه وكفاءته، بل ثروته وشلته، وتوارى الاتقان والالتزام فى كل مجالات العمل، وغابت ثقافة العمل التى لا تكتمل سوى بالجد والاجتهاد والتفانى وبالعرق وبالدم والدموع، وهى الثقافة التى شيدت مجد الحضارة المصرية.
كان المؤرخ الإغريقى “ هيرودوت “ الذى عاش فى القرن الخامس قبل الميلاد يقول إن مصر هبة النيل، أى أن النهر هو الذى أمد الحضارة المصرية بشريان الحياة ولولاه ما كان لمصر وجود. لكن احد أبرز المؤرخين فى القرن العشرين وهو البريطانى” أرنولد توينبى “(1889- 1975) عارض هذه الفكرة قائلا إن مصر هبة المصريين. وأقام توينبى نظريته تلك على الحقائق التاريخية والجغرافية لمنطقة حوض النيل، التى كانت منذ فجر التاريخ منطقة مستنقعات تغمرها مياه الفيضان المتوحشة، فتصدوا لخطورتها بحفر مجرى لتلك المياه، وعندما انسابت المياه فى مجرى النهر بسلاسة، بعد أن أحكموا السيطرة على النهر، أقام المصريون القدامى على ضفتيه حضارتهم التى وصفها توينبى بالتفرد لأنها لم تلد ولم تولد.
وقبل أيام أعلنت الحكومة أنها ستطرح المصانع التي توقفت عن الإنتاج على مناقصات دولية، لتحديث ماكيناتها وإعادة تشغيلها، وهي خطوة موفقة، تأتي فى توقيتها المناسب مع الاحتفال بالعيد السنوي للعمال، لكنها تظل مشروطة بأن تتم تحت ضوابط تجعل تلك المصانع فى إطار الملكية المصرية العامة والخاصة، يعود الموتور بعدها إلى الدوران، ويحقق حلم جيل ليلي مراد وبيرم التونسي ويوسف شاهين، كي تعود مصر الحرة، ولو تتعري ما تلبس مرة نسيج من برة وتعود مصر كما كانت منذ فجر التاريخ هبة لجهد وعمل وكفاح المصريين.

الف تحية على المقال البديع الذي يربط بشياكه وبساطه الفن بالاقتصاد بأوضاعنا الراهنه وما كان وما نتمناه لبلدنا.