الغالب والمغلوب.. والصراع الثقافى الجديد
لم يكن الصراع على رئاسة فرنسا صراعا فكريا بين وجهتي نظر فقط، ولكنه صراع حياتي، بين الجديد والقديم صراع تعبيري عن الأقدر على توصيل رسائله للناس عبر الشاشات الثابتة والمتحركة، وعبر وسائل التواصل القديمة والحديثة، وأيضا عبر اعطاء نموذج قابل للتصديق وانعاش الطموح فى صدور الكثيرين ممن توقفت طموحاتهم وقبلوا بالحياة فى مواقعهم.. فى المعركة الانتخابية السابقة على فرنسا.
كانت أمريكا هي الموقع، ولشهور كثيرة بدا لنا نحن المشاهدين عن بعد بأن الفوز فى يد السيدة كلينتون والفضيحة والهزيمة الساحقة من نصيب ترامب.. بالمتابعة المستمرة استطاع الكثيرون من المتفرجين أن يقرأ التغييرات فى السيناريو القديم، وأن يكتشف عناصر جديدة فى الصورة والفيلم وأن ينتبه للتطور الدرامي الذي حدث وصولا إلى الانقلاب والنهاية التي صنعت جدلا كبيرا.. فى هذه الانتخابات الجديدة، والتي انتقل صناع الفيلم الاعلامي فيها من واشنطن إلى باريس، قل عدد المناظرات كثيرا عن مثيلتها فى الانتخابات الأمريكية، صحيح أن الفيلم هنا قدم مشاهد جديدة فى البداية حين تواجه كل مرشحى الرئاسة الفرنسية أمام بعضهم البعض وفى مناظرات جماعية، غير أن، مهمة “ الصناديق” أطاحت بثلاثة منهم ليبقى اثنان هما “ ماكرون “ “ لوبان “ رجل وسيدة، وسطي رأسمالي أوروبي متحمس، يمينية متطرفة فى العودة بفرنسا إلى وحدتها بدون أوربا، وفى طرد المهاجرين والحاصلين على جنسية فرنسا من أبناء البلاد الأخرى، خاصة المسلمين.. وفى المناظرات القليلة بينهما كان الهدوء هو سيد الموقف، وبدلا من الوقوف أمام منصة بحضور جماهير مشجعة هنا وهناك، فى حلبة أشبه بحلبات المصارعة، جلس هو وهي على منضدة واحدة بمشاركة أربعة آخرين، وجاء الحوار هادئاً محدداً حول نقاط الخلاف بينهما، وخلا الموضوع من عناصر الابهار (الشو) التي ارتبطت بذهن المشاهد للمناظرات الأمريكية.. ومساء الأحد الماضي كانت نهاية المناظرات والبند الأخير فى الحدوتة الإعلامية وهو الانتخابات، واللجان، ومتابعة تحركات كل منهما، وهو اليوم الذي يتفرغ فيه أكبر عدد من المراسلين لشبكات الاعلام الكبرى لمتابعة الحدث، فى قناة (فرنسا 24) كانت المتابعة لصيقة لماكرون ولوبان وللناخب الفرنسي، وفى مساء نفس اليوم أعلنت النتائج بفوز ماكرون بضعف أصوات لوبان تقريبا (66% مقابل 34%) واعلنت وزارة الداخلية الفرنسية 1ر12% من أوراق التصويت باطلة، ولم يكن هذا هو المهم، وإنما ماصدر عن الغالب والمغلوب، وحيث أعلنت السيدة لوبان أبنة الزعيم اليميني المتشدد (جان ماري لوبان) الذي كان رئيس للحزب قبلها، أعلنت أن تحقيقها نسبة 34% هو إنجاز تاريخي.. وأنها سوف تبدأ من لحظتها فى العمل على الانتخابات التشريعية القادمة، حدث هذا بهدوء ونعومة وبلا تشنج وبلا غضب أو تكشيرة وجه تجاه فوز المنافس عليها.. أما هو، ماكرون، الذي ظل العديد من العاملين بفضائياتنا يتعجب من شبابه (39عاما) فقد تذكر البعض، منهم عمرو أديب، بأن الزعيم عبد الناصر أصبح رئيسا لمصر وعمره 35عاماً فقط، وأنها القاعدة التي انقلبت عندنا لدرجة استنكار تولي أي شاب مسئولية كبيرة مع أن الرئيس السيسي ينادي دائما بدفع الشباب إلى المقدمة.. ولكن.. هل لدينا وزير أو محافظ واحد منهم.؟.. المهم أن رئيس فرنسا الجديد الشاب ظهر على الشاشة ليشكر الشعب الفرنسي ( شكرا على ثقتكم والتزامكم) وفى الاستديو التحليلي للقناة (فرنسا24) قال أحدهم إن ماكرون سوف يذهب إلى الكافيه، أي القهوة التي يجتمع فيها مع أنصاره ومساعديه فى الحملة الانتخابية للاحتفال معهم، وجلسنا ننتظر رؤية اجتماع القهوة هذا، لكن الشاشة تغيرت، وأيضا الأسلوب واللهجة، وتم الاعلان على أن الرئيس الجديد سوف يحتفل بالنجاح مع شعبه ومؤيديه وليس مع الاصدقاء وأن المكان ليس مقهي ولكنه الساحة الخارجية لمتحف اللوفر الكبير، ولنرى هذا المكان البديع يصبح بطلا للصورة، يجمع بين مباني اللوفر العريقة، والهرم الزجاجي الذي أنشىء فى عصر الرئيس ميتران تيمنا بأهرامات مصر، والمساحات المزروعة المخططة، تحول ماكرون إلى عازف ضمن فريق يعمل من خلال صورة وموقع معبر عن الماضي والحاضر والمستقبل، وحضارة مستمرة، وفى خطبته من الموقع تحدث الشاب الرئيس بهدوء وثبات شاكرا من صوتوا له وأيضا من صوتوا لمنافسته، تحدث عن أهمية التنوير، وعن قيمة النهوض بالثقافة ( ترامب لم يذكر هذه الكلمة أبداً) وعن أهميتها فى دعم الاخلاق والحفاظ على كينونة فرنسا كبلد الحرية والمساواة، وعن دعم الضعفاء وفى نهاية كلمته، حين بدأت الفرق الموسيقية تصدح بأنغامها، كان لا بد من “ الصورة التذكارية” التي يحتضنها الرئيس “ ماكرون” هي ابنة زوجته “ مارجريت”، ولنعرف نحن كمشاهدين أن الرئيس الجديد الشاب لا يأبه بأن يصبح رب أسرة وأب لأطفال لم ينجبهم وإنما يقوم بمسئولياته فى إطار رؤية أكثر اتساقا مع ثقافته ونشأته.. وفى هذه اللحظة تقول لنا الشاشة الكثير مما لا تستطيع وسيلة اعلام أخرى التعبير عنه فمن الواضح أن “ توظيف “ الصور على شاشات التليفزيون الآن أصبح فنا مهماً…

التعليقات متوقفه