قضية للمناقشة: تماثيل رخام عالترعة…
حين تلقيت دعوة الدكتور « هشام الشريف « وزير التنمية المحلية للمشاركةفى ندوة حول التنمية المحلية والثقافة. واستمعت بعد ذلك إلى كلمته التي تحمل رؤية لها طابع الحلم حول نشر العمل الثقافيفى أربعة آلاف وسبعمائة وسبعين قرية مصرية، تذكرت على الفور ماكان قد قاله الشاعر العظيم الراحل « صلاح جاهين « تماثيل رخام عالترعة وأوبرا.. « وهو يعبر عن رؤيته.. حلمه لمصر الجديدة التي يسودها العدل والحرية وأساسها الثقافة.
كان ذلكفى ستينيات القرن الماضي زمن التحرر الوطني وطموحات التنمية المستقلة، والوحدة العربية، وريادة مصرفى محيطها الإقليمي وآمال شعبها.
والآن وقد اختلف الزمن، وجرت مياه كثيرةفى الأنهار، وانفجرت موجات الثورةفى البلاد بعد خمسين عاما من سياسة ما سمى بالانفتاح الاقتصادي التي خلقت روابط تبعية مع الولايات المتحدة الأمريكية، واخضعت البلاد للمؤسسات المالية للأمبريالية العالمية، أقول الآن أدركت بعض القياداتفى السلطة الجديدة أن غياب المشروع الثقافى الواضح والمتكامل طيلة نصف قرن أو يزيد قد تسبب لا فحسبفى الخراب الروحي الشامل، وإنما افسح المجال أيضا أمام صعود الجماعات السياسية اليمينية المتسترة بالدين بدعم واسع النطاق من سلطة ما سمى بثورة التصحيح وعلى رأسها الرئيس « محمد أنور السادات «.
وحل الدين تدريجيا محل الثقافةفى مناخ إقليمي لعبت فيه « الوهابية « بدعم أموال النفط دوراً مركزياً وهو ما دعا الدكتور « مراد وهبة « إلى المطالبة بخلق تيار علماني يقاوم التوجهات التي رسختها جماعة الإخوان المسلمين وكل الجماعات الدينية التي تولدت منها على مر الزمن كل العمليات الإرهابية التي تستنزف البلاد.
تتضمن الورقة التي طرحها علينا د. هشام الشريف مفهوما مركزيا وهو إن الثقافة هي رافعة التنمية، وهي الأساس المتين لها، وفى هذا السياق عبر عن طموح لإطلاق مشروع لمحو الأمية خلال ثلاث سنوات، مع البحث عن حلول مبتكرة وغير مسبوقة، قائلا إنه بلا إعلام جيد لن نصل لأي نتيجة، ومشددا على نزعته التفاؤلية إذ أننا « نستطيع ونستحق «.
وأضاف « الشريف « عاوزين مصر تغني، وشبابنا الواعي يحقق أحلامه على أرض الواقع بالعلم والتكنولوجيا الحديثة ولذا نحتاج إلى تغيير جوهريفى بوصلة توجه المجتمع.
وقام الكاتب « محمد سلماوي « بتذكير الحاضرين بأن الدستور المصري الجديد يتضمن فصلا كاملا عن الثقافة، وذلك لأول مرةفى تاريخ الدساتير المصرية، ووعد « حلمي النمنم « وزير الثقافة بإنشاء ألف مكتبةفى القرى المصرية.
ويتطلع المشروع لخلق فرص عملفى كل قرية تتراوح بين 250 و300 فرصة عمل مع نهاية العام، وذلكفى إطار المشروع القومي لخلق مليون فرصة عمل مع نهاية العامفى كل محافظات مصر مع تحول القرى من مستهلكة ومستوردة إلى منتجة ومكتفية ثم مصدرة.
أظن أن السؤال الذي كان يدورفى أذهان الحاضرين وهم جميعا مثقفون رفيعو المستوى هو هل بوسعنا أن نضع هذه الأحلام موضع التطبيق بينما تتواصل السياسات الاقتصادية والاجتماعية الليبرالية الجديدة، والتي أدت واقعيا لزيادة الفقر والبطالة، وهي عوامل تمهد الأرض ضمن أسباب أخرى لنمو الجماعات الإرهابية والمتاجرة بالدين ؟.
وهل ياترى سوف تقوم السلطة القائمة بتطبيق مواد الدستور الخاصة بكل من الثقافة والاعلام والتعليم والصحة، بينما يتجاهل مجلس النواب الذي يعمل كذراع للحكومة إصدار القوانين المنظمة للدستور لكي يتحول الدستور بحق إلى مرجعية للمصرية أسوة بما يحدثفى البلدان الديموقراطية، ويكون بوسع المصريين وبينهم المثقفون أن يحاسبوا الحكومة على مدى التزامها بالدستور.
ونأتي هنا لقضية الحكم المحلي الذي يعاني حتى الآن لا فحسب من قبضة المركزية الحكومية وإنما أيضا من الفساد الشامل، ويتعثرفى مجلس النواب قانون المحليات الذي من المفترض أن يحرر هذه المؤسسات بالغة الأهمية بما يمكن أن تلعبه من أدوار إيجابيةفى تطور البلاد.
وكما نعرف فإن المركزية الشديدةفى نظام الحكمفى مصر تنعكس أيضافى الموازنات حيث تبتلع العاصمة الجزء الأكبر من الأموال، وهو ما يحتاج لإعادة نظر شاملة تستهدف التوزيع الأقرب إلى العدالة للموازنة حتى يكون بوسع « الحالمين» أن يضعوا بعض أحلامهم موضع التنفيذ.
وبعد لا نستطيع إلا أن نتمنى ألا تلقى هذه المبادرة النبيلة مصير مبادرات أخرى شبيهة جرى إطلاقها ثم إندثرت، وإن كانت هذه المبادرة الأخيرة تكتسب قوتها من حقيقة أن راعيها هو وزير يمتلك صلاحيات تنفيذية.
وحين خرجنا من قاعة المجلس الأعلى للثقافة قال لي أحد المشاركين : لقد فكرنا للقرية وحلمنا بالنهوض بها ونحنفى العاصمة وممثلوها غائبون !

التعليقات متوقفه