صفحة من تاريخ مصر: جماعة الإخوان .. مرة أخرى وليست أخيرة انقسامات الجماعة (12)
في الحلقة الماضية حدثنا د. عبد الله النفيس عن النظرية الاخوانية المستحدثة والتي تأتي بمرشد ضعيف أو مستضعف بينما يتولى زمام الأمور كلها من أسموه ” المرشد السري” وسادت نظرية الازدواجية مرشد ضعيف ومرشد سري هو قائد وممثل الجهاز السري بالجماعة وتواصلت حتى رأيناها أخيرا مرشد ضعيف ” محمد بديع ” ومرشد سري ” خيرت الشاطر” وبينهما كان رئيسا صوريا هو محمد مرسي.
وفي هذه الحلقة يفاجئنا واحد من الرعيل الأول من قادة الإخوان الذي عاشوا أمداً في كنف حسن البنا هو الدكتور حسان حتحوت الذي أقام في الكويت زمنا ثم أقام ولم يزل في أمريكا فتغيرت رؤيته واستقام رأيه فعارض ما يجري في الجماعة منذ نشأتها وحتى الآن . ونقرأ له بحثا نشر في ذات الكتاب الذي شارك فيه النفيسي ( الحركة الاسلامية ـ رؤية مستقبلية ـ أوراق في النقد الذاتي ) ويتحدث الدكتور حتحوت عن ” الحركات الإسلامية” عامة لكنه يتحدث دون اشارة إلى الاخوان ربما تحرجا من جماعة الاخوان ونقرأ ” انظر إلى الجماعات على وجه الاجمال فيخيل إلى أنها في أغلبها الأعم لم يتضح لها الموقع المحوري للحرية ” فلديها أفراد وجماعات ضيقا بالرأي الأخر وتضييقا عليه ، فمن لم يكن رأيه نسخة طبق الأصل من رأي الجماعة فهو منشق أو معاد ويصنفه أصحابها في مراتب الخيانة أو العمالة أو المروق من الدين أو ابتغاء الفتنة في غياب كامل لمفهوم الحوار الهادئ الذي يرى للحقيقة أكثر من باب ” ثم يأتي إلى فكرة البيعة فيقول ” رأينا كثيرا من الجمعيات كبيرة وصغيرة تحشد الاتباع والانصار وتأخذ منهم العهد على السمع والطاعة بحيث أن الولاء للجمعية ينافس الولاء للاسلام ” ثم يناقش الفكرة الأساسية لدى الاخوان وهي ” مبدأ السمع والطاعة والبيعة عليهما ويقول : ” إنما يجب السمع والطاعة في جيش يحتشد للحرب أما في سياق الدعوة الطويل الأمد فالمطلوب هو إعداد رأي عام مسلم ، وليس قوة ضاربة مسلمة ، ولعل المتدبر لدروس الماضي القريب والبعيد يدرك أن هذا هو الطريق الوحيد وإن كان الطريق البعيد ” ص67″.
ثم يواجه الجماعة بسؤال تبدى صعبا في زمن الكتابة لكنه تحقق أمام أعيننا فهو يسأل ” ولو طاوعت خيالي فتصورت أن الحكم قد أوكل إلى الحركات الاسلامية غدا فلا أحسبها ستقدم للأمه العلاج المطلوب وهو الحرية ، لأن فاقد الشئ لا يعطيه وأحسبها على أحسن الفروض وأجمل الظنون ستكون دكتاتورية أخرى ، ولكن في الاتجاه الآخر ولا يشفع للدكتاتورية عندي أن تكون إسلامية ، فأن الدكتاتورية مرض مهما كانت ، المسألة مسألة مبدأ وهو أن السيادة يجب أن تكون علامة على الحاكم . وأن تكوين الأمة الإسلامية لا يمكن أن تأتي ولن يكون أبدأ عبر القهر ، ولا بالعصا ، ولا حتى بسيف القانون ، بل هو وبالقطع ثمرة الاقناع والاقتناع بالحكمة والموعظة الحسنة (ص71) ثم يهاجم الدكتور حتحوت منهج استخدام العنف سواء عند الاخوان أو غيرها من الجماعات . دون أي سند إسلامي أو شرعي ، وأنها تملأ أساليبها بالمرارة والغلظة وتحسبها من أساليب الدعوة الإسلامية ، ومنها الاهتمام بالشكليات والمظهريات ، وإضفاء صفة الفريضة على ماليس بفريضة ومنها أيضا السطحية في العلم بالدين وفي تعلمه ، والانكفاء على الماضي والانحباس في إساءة دون التداعي للنظر والتخطيط المستقبلي وكذلك امتلاكها لحساسية مرضية إزاء المرأة وضدها ، وفوق هذا وذاك خلطهم بين ما هو تراث خاطئ ومظلم وبين ما هو دين حق ” (73) وهكذا وكأن الدكتور حسان حتحوت ومن واقع اخلاصه العميق لفكرة الحرية والأمل أن تلتحق الحركة الإسلامية بها فقد أعد ” روشتة ” لعلاجها من كل ما أتت به قياداتها وكوادرها إلى الأمة المسلمة من أوجاع وآلام وأمراض امتدت طويلاً جداً عبر تاريخها وطوال أيامها ثم هي لتصل بها وتتصاعد بجراعتها إلى مانحن فيه من عمليات إرهابية وحشية ، ولكن أحداً لم يستجب لدعوة الدكتور حتحوت بل لاموه ثم هاجموه وكفروه واتهموه بأن إقامته في أمريكا قد شوهت عقيدته واعتقاده فضاعت دعوته المخلصة سدى ولم يعد يتذكرها.
وتتواصل وعلى مدى السنوات الأخيرة عمليات الانشقاق عن الجماعة .. وحتى من صفوف شباب الجماعة يظهر منشقون يختلفون ويفكرون ويرفضون وينشقون وهم عديدون منهم على سبيل المثال سامح عيد ” في كتابه الاخوان المسلمون ـ الحاضر والمستقبل ـ أوراق في النقد الذاتي (القاهرة عام2000) وهو عنوان يكاد أن يتماثل مع عنوان كتاب النفيسي وحتحتوت . والكتاب ملئ بالعبارات الواعية والانتقادية لفكر جماعة الاخوان ونختار عبارة موحية ” وكثيرا ما تستخدم الجماعة المصطلحات الشرعية مثل الدعوة ـ التساقط ـ التعزيز ـ الهداية ـ الطاعة وتلونها بهدف تطويعها لخدمة الجماعة فهي تعتبر نفسها ووحدها صحيح الاسلام بل الاسلام ذاته فالهداية تعني الانضمام للجماعة والتساقط يعني تركها والدعوة تعني الجماعة ذاتها فالانضمام للدعوة يعني عضوية الجماعة والالتزام يعني الانضمام والطاعة .. وهكذا (ص80) وهناك كتابات الخرباوي والهلباوي وغيرهما ” ربما نجد فسحة من الوقت للكتابة عنهما ” .

التعليقات متوقفه