لليسار در: تيران وصنافير .. مصرية
أعلن د. على عبد العال رئيس مجلس النواب موافقة المجلس في جلسته يوم الاربعاء الماضي (14يونيو2017) على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية والتي يتم يمقتضاها تسليم جزيرتي تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية . ولن يستطيع أي مواطن أو باحث أن يعرف حقيقة هذه الموافقة وعدد الذين وافقوا على هذه الاتفاقية وعدد الرافضين لها أو الممتنعين عن التصويت ، فمضبطة مجلس النواب الخاصة بجلسة الاربعاء الماضي تخلو من أي تفاصيل أو أرقام للتصويت ، الذي تم وقوفا من جانب المؤيدين للاتفاقية ! . وهو الأمر الذي يكشف ضعف رئيس مجلس النواب وعدم التزامه بلائحة المجلس وحرصه على تمرير ما تريده السلطات الحاكمة بأي وسيلة وبأي ثمن ، حتى لو اعتدى على الدستور والقوانين واللوائح.
ويحيط اللبس بقضية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية منذ البداية.
فقد شهدت العلاقات المصرية السعودية خلال عام 2015 وبداية عام 2016 توترا ، بلغ ذروته بتصويت مصر في مجلس الأمن لصالح القرار الروسي حول الوضع في سوريا والداعم للنظام الحاكم في سوريا برئاسة بشار الأسد ، ولم يكن هذا التصويت لتأييد مصر لسياسات الأسد ولكن لأن سقوط الحكم الحالي في سوريا سيؤدي إلى تفكك الدولة السورية وتقسيم الوطن السوري لصالح الجماعات الإرهابية المختلفة ، سواء جماعة الإخوان أو تنظيم الدولة الإسلامية أو الجيش السوري الحر .. الخ بينما كانت السعودية تدعم هذه الجماعات بهدف واحد هو إسقاط ” الأسد ” الذي تجرأ وهاجم في أحاديث له الأسرة الملكية السعودية .
وعاقبت السعودية مصر على موقفها ، فأوقفت في مطلع شهر أكتوبر 2016 شحنات النفط التي تحصل عليها مصر من شركة أرامكو بناء على إتفاق مدته خمس سنوات وقيمته 23 مليار دولار ، ويتم تسديد قيمة هذه الإمدادات على مدى 15 عاما وبفائدة 2% ، وكان هذا التوقف بناء على تعليمات مباشرة من الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد .
وقام الملك سلمان بزيارة لقطر في ظل توتر العلاقات بين مصر وقطر نتيجة لضلوع الأخيرة في تمويل ودعم الجماعات الإرهابية في مصر .
وأصدر الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي بيانا أعرب فيه عن انزعاجه من الزج باسم قطر في حادث تفجير الكنيسة البطرسية ، وصدر البيان بدعم سعودي مباشر وتحفظ إماراتي ـ عماني .
وجرى استقبال ملكي لرئيس وزراء أثيوبيا ” هيلي ماريام ديسالين ” في الرياض ، وقام مسئولون سعوديون بزيارة لأديس أبابا وسد النهضة ، الذي تتحفظ مصر عليه لما يشكله من تهديد لنصيب مصر من مياه النيل .
وفي محاولة لتجاوز هذه الأزمة في العلاقات المصرية السعودية جرت مباحثات على مستويات مختلفة انتهت إلى إعداد 17 اتفاقية بين البلدين تتناول كل جوانب العلاقات الاقتصادية والاستثمارية والسياسية والثقافية ، ومن بينها اتفاق لإنشاء جسر بري بين مصر والسعودية ( كان مشروعه مطروحا منذ ولاية الملك فهد) واتفاق تعيين الحدود البحرية بين مصر والسعودية .
وكان مشروع الاتفاق الأخير قد أعدته لجنة مصرية سعودية مشتركة كلفت بترسيم الحدود البحرية بين البلدين ، وعقدت اجتماعاتها في خليج العقبة بالبحر الأحمر ، دون أن يعرف الرأي العام المصري والأحزاب والقوى السياسية عنها أي شئ ، وانتهت هذه اللجنة بعد (11) جولة من الاجتماعات لتعيين الحدود البحرية بين البلدين ، ومنح السعودية السيادة على جزيرتي تيران وصنافير.
وتقرر أن يزور الملك سلمان مصر في ابريل 2017 ، وأن يشهد مع الرئيس السيسي توقيع الاتفاقات الـ (17).
وحاولت جهات سيادية مصرية إقناع الجانب السعودي بتأجيل التوقيع على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية وتسليم الجزيرتين لها “لأن الوقت غير مناسب رغم الاقرار بسيادة السعودية على الجزيرتين !. ولكن السعودية رفضت وهددت بإلغاء الزيارة وكشف ” مكرم محمد أحمد ، نقيب الصحفيين الأسبق والمقرب من أجهزة الحكم المصرية في لقاء تليفزيوني ، أن الملك سلمان هدد وهو في الجو في طريقه للقاهرة ، بأن طائرته لن تهبط في مطار القاهرة مالم تتعهد مصر بتوقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية وتسليم جزيرتي تيران وصنافير.
وخضعت القاهرة للتهديد وتم توقيع رئيس وزراء مصر على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية وال(16) اتفاقية في حضور الرئيس الرئيس عبد الفتاح السيسي والملك سلمان.
وبزوال السرية على هذه القضية أصبح الشعب المصري ـ الذي عرف لأول مرة في ابريل خضوع الحكومة للتهديد وقبولها بسيادة السعودية على جزيرتي تيران وصنافير ـ طرفا رئيسياً في الموضوع .
وكانت الخطوة الأولى لوقف التخلي عن جزيرتي تيران وصنافير ، هو اللجوء للقضاء للطعن على قرار مجلس الوزراء في 28 ديسمبر 2016 بالموافقة على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية ، وإحالتها لمجلس النواب ، وأصدرت محكمة القضاء الإداري (الدائرة الأولى ، حكمها في 21 يونيو2016) ببطلان توقيع ممثل الحكومة المصرية على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين جمهورية مصر العربية والمملكة السعودية الموقعة في ابريل2016 المتضمنة التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية مع ما يترتب على ذلك من آثار أخصها استمرار هاتين الجزيرتين ضمن الاقليم البحري المصري وضمن حدود الدولة المصرية واستمرار السيادة المصرية عليهما وحظر تغيير وصفهما بأي شكل لصالح أي دولة أخرى”.
وطعنت الحكومة على الحكم أمام المحكمة الإدارية العليا ، كما دفعت بعض المحامين لرفع قضية ضد حكم محكمة القضاء الإداري أمام القضاء المستعجل واستصدرت حكما بالغاء حكم المحكمة .
وجاء حكم المحكمة الإدارية العليا قاطعا بمصرية الجزيرتين ، فرفضت طعن الحكومة ، وقالت في حكمها ” وإذ وقر في يقين هذه المحكمة ـ وهي التي تستوي على القمة في مدارج محاكم مجلس الدولة ـ واستقر في عقيدتها أن سيادة مصر على جزيرتين تيران وصنافير مقطوع به بأدلة دامغة استقتها المحكمة من مصادر عدة وممارسات داخلية ودولية شتى قطعت الشك باليقين بأنهما خاضعتان لسيادتها ـ وحدها دون غيرها ـ على مدار حقب من التاريخ طالت ، وأن دخول الجزيرتين ضمن الاقليم المصري ـ ما انفك راجحا يسمو لليقين من وجهين :
أولهما : أن سيادة مصر عليها مقطوع به على ماسلف بيانه ، وثانيهما : ما وقع تحت بصر المحكمة من مستندات وبراهين وأدلة وخرائط تنطق بإفصاح جهير بوقوعهما ضمن الاقليم المصري على نحو ماسطرته المحكمة في أسباب حكمها ، الأمر الذي يحظر معه على كل سلطات الدولة بل والشعب ذاته بأمر الدستور إبرام ثمة معاهدة أو اتخاذ إجراء يؤدي إلى ضم الاقليم المصري على نحو ما ابرامها ويكون سبيلا للتنازل عنها ، ويكون من ثم الحكم المطعون فيه فيما قضي به ، قد صدر مرتكزا على صحيح حكم القانون والواقع ، وتقضى المحكمة ـ والحال كذلك ـ برفض الطعن الماثل ).
ولكن الحكومة المصرية المصرة على التفريط في الجزيرتين وتسليمهما للمملكة العربية السعودية لجأت إلى المحكمة الدستورية بمنازعة التنفيذ ، وجاء تقرير هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا ، لصالح عدم قبول منازعات تنتفيذ الحكم المقامة من الحكومة الخاصتين بجزيرتي تيران وصنافير ، وحددت المحكمة الدستورية العليا جلسة 30 يوليو لنظر القضية وإصدار حكمها ، وفي حالة عدم قبولها لمنازعات التنفيذ يصبح حكم المحكمة الإدارية العليا ببطلان توقيع مصر على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية نافذا ولا تملك أي سلطة الحق في عدم تنفيذه ، ويصبح إقرار مجلس النواب لهذه الاتفاقية هو والعدم سواء” .

التعليقات متوقفه