ضد التيار: لا تجربوا المجرب

61

 

في عام 2008 كتب الخبراء الاقتصاديون من قادة حزب التجمع تقريرًا بالغ الأهمية تحت عنوان دعم الفقراء ودعم الأغنياء ، صدر فيما بعد في كتاب ” الأهالي” ردا على المنطق الحكومي الذي ساد منذ تولي الرئيس السادات الحكم وحتى الآن ، الذي لا يكف عن تعليق فأس الأزمة الاقتصادية في رقبة الدعم المخصص لسلع الاستهلاك الشعبي ، وزيادة السكان ، مع بلادا من منظومة العالم الثالث تنهض وتقفز نحو صفوف الدول التي تنافس في مجال الاقتصاد العالمي رغم ضخامة تعدادها مثل الهند والصين ، بعد أن وضعت برامج للتنمية البشرية والاقتصادية تتفق مع امكانيات كل منها كدول فقيرة ثرية بقدراتها البشرية ، وبقدرة الاختيار الاقتصادي والسياسي على توظيف تلك القدرات في الانتاج والتنمية والتوزيع العادل لعوائدهما هذا فضلا عن أن الدعم ظاهرة موجودة في الدول الرأسمالية حفاظا على التوازن الاجتماعي والاستقرار السياسي .

أشار التقرير بوضوح إلى أن آليات السوق التي أريد لنا أن نصدق على مدى خمسة عقود أنها تنظم نفسها بنفسها دون تدخل حكومي ، لم تحقق أي استخدام أمثل للموارد في أي بلد من البلدان الرأسمالية الكبيرة ، فما بالنا ببلد مثل حالنا يسيطر النشاط الطفيلي والاحتكاري والاستهلاكي على اقتصادها.

حذر التقرير الذي مازال صالحا ، كي تعيد الحكومة قراءاته إذا كانت حريصة حقا على تجنيب البلاد متاعب ومخاطر ألمت بكل الدول التي نفذت روشتة صندوق النقد الدولي التي يفرضها على الحكومات الخاضعة لأوامره وشروطه من الاستنامة       لتلك الشروط.

ففي رومانيا ، كانت الجريمة التي لم تغفرها الاحتكارات العالمية وممثلوها في صندوق النقد الدولي لشاوشيسكو، أنه تمكن من جعل ديون بلاده صفراً دون اللجوء إلى حلولها، فنشطت تلك المؤسسات لدعم المظاهرات التي خرجت على نظامه وانتهت بإعدامه علنا أمام شاشات التليفزيون ، حتى لا يجرؤ غيره على أن يسير في طريقه .

وفي شيلي رفض صندوق النقد تقديم قروض ميسرة لحكومتها الديمقراطية المنتخبة ، وتعاون وكلاؤه المحليون مع وكالة السي أي ايه لقيادة انقلاب على الحكومة وقتل رئيسها المنتخب سلفادور الليندي.

ومارس الصندوق صنوفا شتى من الضغوط على دول أمريكا اللاتينية ، للقبول بأوامره وشروطه ، فانخفض الناتج الدولي في كل دولها ، وازداد الفقراء فقرا والاغنياء ثراء وارتفعت معدلات التضخم لنسب غير مسبوقة ، كما تدهورت العمالة والأجور إلى مستويات مخيفة كان ذلك في السابق ، قبل أن تنهض تلك الدول ، وتسلك طريقا آخر غير الضغط على الفقراء تنفيذا لأوامر المنظمات الدولية المانحة للقروض والاعانات وتأخذ مكانها اللائق باختياراتها الاقتصادية الرشيدة.

حول المصريون ، كما هي عادتهم أزمات الغلاء المتوالية التي تشعل الأسواق بلا ضابط أو رابط ، إلى سخرية مريرة على وسائل التواصل الاجتماعي ووفقا لهذه السخرية ، فإن الفقراء هم المستفيدون من ارتفاع أسعار البنزين ، لأنهم لن يجدوا مالا لشرائه، ليحرقوا به أنفسهم ، لكن السخرية المرة ، لا تحول دون السخط والغضب من عدم القدرة على تحمل نتائج سياسات الصندوق.

وبدلا من أن تفرض الحكومة رسوما على الأرباح الرأسمالية في البورصة ، وضرائب على الإسكان العقاري الفاخر ، وتعيد النظر في سياسات الأجور بما يتناسب مع القدرة على تحمل أعباء الأزمة الاقتصادية ، خفضت دعم الفقراء ، مما أدى إلى تدهور مخيف في مستويات معيشتهم .

لا تراهنوا على قدرة الناس المطحونة على التحمل ، ولا تجربوا ما تم تجريبه من وصفات دمرت دولا وأسقطتها ، فلتعبأ كل الجهود من أجل زيادة الإنتاج ، وإعادة تعبئة الموارد المحلية ، وتوزيع ناتجها بربط عادل بين الأجور والأسعار ودور محوري للدولة ، يتصدي للمقامرين والمغامرين والمحتكرين والفاسدين، وبغير ذلك ستظل الأزمة قائمة في الاقتصاد المصري .

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy