ضد التيار: حل سياسي لمشكلة الوراق
القرار الذي اتخذته جهة ما بوقف تنفيذ قرار إجلاء بعض سكان جزيرة الوراق ، هو أول قرار سياسي صائب يُتخذ في هذه المشكلة ، التي تفجرت بشكل مفاجئ نتيجة لخطأ في القياس ، بين قرار تشكيل لجنة لاسترداد أراضي الدولة المنهوبة ، وبين تطبيق هذا القرار بنفس الاسلوب على سكان جزيرة الوراق .
مصدر الخطأ يأتي من أن معظم أراضي الدولة المنهوبة ، استولى عليها أفراد أو شركات أو جماعات محدودة وضعت أيديها على مساحات شاسعة من الأراضي حصلت عليها بأثمان بخسة ، أو بألاعيب قانونية أو بتغيير الغرض الذي حصلت بمقتضاه عليها ، وهي قرارات تم تنفيذ معظمها بسهولة ، ولم يلق أي مقاومة من حائزي هذه الأراضي ، لأسباب من بينها أن التحريات التي أجريت على أوضاع هذه الأراضي كانت دقيقة ، وأن الذين يحوزونها أخذوا الفرصة للدفاع عن أنفسهم ولتقديم المستندات والوثائق التي يتصورون أنها تثبت وضعهم القانوني ، ولكن الأمر يختلف بالنسبة لجزيرة الوراق .
فالمتهمون بـ ” الاستيلاء ” على أراضي الدولة ، هم آلاف المواطنين الذين يقطنون هذه الجزيرة- وعددهم يقترب من 150 ألف مواطن- وتتفاوت مراكزهم القانونية بين الذين ورثوا أرض عن أسلافهم منذ سنوات وعقود ، والذين حصلوا عليها بوضع اليد ، أو اشتروها من ” نصابين” زوروا مستندات الملكية ووقعوا هم في براثنها ، وبين أراض هي ملك لست وزارات من وزارات الدولة ، أستولى عليها الآخرون بوضع اليد . تلك حالة كانت تتطلب معالجة سياسية للمشكلة يتاح خلالها لأجهزة الدولة المختلفة أن تجري مفاوضات ومناقشات ومواجهات مع أهالي الوراق ، وأن تتيح لكل من يقيم على أرضها الفرصة لكي يقدم ما لديه من مستندات تثبت أنه يملك الأرض المتنازع عليها ، وأن هذه الملكية آلت إليه عبر تصرفات سليمة لاشك في مشروعيتها . وفضلا عن ذلك فقد كان واجب أجهزة الدولة المعنية أن تطمئن هؤلاء بأن الذين يقيمون في الجزيرة ، بدون وجه حق ، أو الذين قد تتطلب عملية تطويرها تهجيرهم منها ، سوف يجدون بدائل يتوفر لهم فيها السكن المناسب والقريب من الأنشطة الاقتصادية التي يتعيشون منها ، سواء عبر تعويضات مالية معقولة ، أو عبر مساكن بديلة تكون جاهزة لاستقبالهم قبل اتخاذ أي خطوة لإخراجهم منها .
ذلك أسلوب أتبعته الدولة في كثير من السوابق ، كان من بينها إجلاء بعض سكان المناطق العشوائية ، وإخلاء سوق الخضار بروض الفرج ، ومنها ما يجري الآن في منطقة المدابغ ، ومن أبرزها الأسلوب الذي تم اتباعه مع سكان ما يعرف بمثلث ماسبيرو خلف مبنى وزارة الخارجية ومبنى التليفزيون .
خلاصة الكلام هو أن وقف الإجراءات التي كان قد بُدئ في اتخاذها ، بصرف النظر عن الأخطاء التي وقعت من كل الأطراف ، ينبغي ألا يكون كما تروج بعض وسائل الإعلام هدنة ، يتم بعدها استئناف التنفيذ بنفس الوسيلة ، وإنما يكون بداية لحل سياسي للمشكلة يقوم على الحوار ، وعلى الحقائق ، وعلى مراعاة الفارق ما بين استرداد أرض أستولى عليها أحد المستثمرين ، وبين إخلاء أرض يقيم عليها عشرات الآلاف من المواطنين تتنوع مراكزهم القانونية ، وينبغي التثبت من صحتها قبل اتخاذ أي إجراءات ضدهم ، فضلا عن تقديم سلة حلول تتواءم مع كل حالة وتتسم بالعدل والإنصاف قبل أي شيء .

التعليقات متوقفه