قضية للمناقشة: ما العمل .. إذن ؟

65

 

تتعدد المنابر والمؤسسات الثقافية في مصر ، وإذا كان يعيبها تكدسها في العاصمة والإسكندرية على الأكثر ، وهو ما يطرح علينا مسألة المركزية الشديدة في كل مناحي حياتنا .

ومن بين المنابر التي ثابر منظموها على عقدها ، وطرحت بعض أعقد المسائل التي تتفاعل في الواقع العربي من كل الزوايا ” الصالون الثقافي العربي ” الذي أنشأه وواصل رعايته الكاتب والمؤرخ العراقي د. ” قيس العزاوي ” الذي شغل موقع المندوب الدائم للعراق لدى الجامعة العربية لمدة طويلة ، إذ يعود كل شهر إلى القاهرة من مقر إقامته مع أسرته في باريس لينظم ويشارك في ندوات الصالون الذي يضم مجموعة كبيرة من المثقفين التنويرين مصريين وعرب ، والذين يسهمون بمعارفهم وخبراتهم ومواقفهم في إثراء النقاش الذي يمتد كل شهر لساعات طويلة ، وليصبح هذا الصالون واحداً من أهم المنابر الثقافية الجادة التي يدور فيها نقاش حر وصريح لبعض أعقد القضايا .

وكان موضوع هذا الشهر هو ” التغيرات الثقافية العربية ” وقد طبع القلق غالبية المساهمات خاصة فيما يتعلق بمستقبل اللغة العربية التي راع الحاضرون تدهورها السريع على ألسنة الأجيال الجديدة الذين فقدوا الاعتزاز بلغتهم الوطنية ، وصولا إلى كتابتها أحيانا بالحروف اللاتينية ، مع الفشل التام في النطق الصحيح لها ، وهو الموضوع الذي إنشغل به الزميل والصديق ” محمد الخولي ” الإذاعي المعروف والكاتب والمترجم ، ويؤدي عدم احترام اللغة الوطنية تلقائيا إلى الشعور بالدونية إزاء الآخرين فحين يستعمل المرء لغتهم بديلا عن لغته الوطنية .

وتوافق جميع الحاضرين تقريبا على الجذر الأصلي للتدهور الثقافي العام ، ألا وهو تدهور التعليم وانقسامه بين ديني ومدني ، وطني وأجنبي ، غال ورخيص ، ففي التعليم يتجلى الانقسام الطبقي في مصر على أبرز نحو حيث أن من يدفع يتعلم ، ومن لا يدفع لا يتعلم ، ومن يتعلم بفلوس كثيرة يغترب .

كما تبين أن منهج السمع والطاعة لا يسود فقط في ثقافة اليمين الديني والتعليم الذي يقدمه للطلاب ، ولكنه سائد أيضا في التعليم الذي يسمى مدنيا حيث يجري تلقين الأجوبة وتحريم الأسئلة .

ورغم حرص الحاضرين على تجنب الحديث السياسي المباشر فإن السياسية ظلت حاضرة ، وألقت بظلالها على التحليلات العميقة للمشاركين كافة ، وبرز هذا الوجه السياسي في قضية الحريات العامة والاستبداد الطويل وضعف البورجوازية الوطنية ، واختزال مفهوم الاستقلال الوطني في العلم والنشيد رغم أن بعض أهم المفكرين والساسة توقفوا طويلا أمام الأساس الاقتصادي للاستقلال وللتحرر الوطني ، وحذروا من الانزلاق إلى التبعية ، ولكن هذا الانزلاق إلى التبعية حتى قبل أن تجتاح العولمة العالم على هذا النطاق الواسع أن يكون هو السبب الأول لهزيمة حركة التحرر الوطني وتراجع قضية فلسطين التي بهتت في الوجدان العربي كما على جدول أعمال الحكومات ، وتغير مفهوم العدو ليبرز الصراع الطائفي بديلا عن الصراع ضد الاحتلال والصراع الاجتماعي معا بما ترتب على ذلك من ولادة ثقافة مشوهة خاصمت الأسس العميقة التي توصلت إليها الشعوب في نضالها الطويل .

وفي هذا السياق ساهمت سلطات الفساد والاستبداد في تغذية الصراعات الجديدة لتضمن كراسيها وتحصنها ضد انتفاضات الشعوب ، بل وتحالف بعض القادة علانية مع الأعداء القدامى ، وكان التبرير جاهزا وهو محاربة التطرف والإرهاب  ، وكانوا هم أنفسهم قد أسهموا في تعذيته بل وإطلاقه ، وبلورة المبررات السياسية بل والفكرية له .

ولعل أبرز مثال هنا أن يكون ما فعله الرئيس الأسبق أنور السادات حين تحالف مع الإخوان المسلمين ليركز ضرباته على اليسار الشيوعي والناصري ، وهو ينقل البلاد عنوة في مسار التحرر والتنمية الوطنية المستقلة والكفاح ضد الصهيونية إلى مسار معاكس تماما كان عنوانه الصلح مع إسرائيل واعتبار ان 99% من أوراق الحل في يد الولايات المتحدة الأمريكية ، جنبا إلى جنب الانفتاح الاقتصادي .

وتبين من هذا المسار الجديد كيف أن السياسات الاقتصادية والاجتماعية تشكل أساسا للتغيرات الثقافية تحدد معالمه الطبقة السائدة .

وتتبارى المؤسسات الإعلامية الكبرى والتي تسيطر الشركات العملاقة عليها ، وتمتلك الولايات المتحدة الأمريكية مع دول الإتحاد الأوروبي واليابان أكثر من 60% من هذه المؤسسات ، تتبارى في بث فلسفتها وإستراتيجياتها ، وتبتدع المصطلحات الجذابة وتروجها ، وتحذو مؤسسات الإعلام الوطني حذوها في بلدان تعاني من الأمية الأبجدية فضلا عن الأمية المعرفية بنت الفقر والجهل والمرض .

وفي مثل هذه البيئة يتحول المثقفون التنويريون ودعاة الحداثة والعدل والتقدم والديموقراطية إلى نخبة معزولة ، ان ما تتعرض للملاحقة والحصار إذا ما غادرت شرانقها.

وتظل هذه النخبة تدور حول نفسها ، وهي تفكر بعمق وتتوصل إلى الحلول العقلانية للمشكلات كما هو الحال في هذا ” الصالون الثقافي العربي ” وذلك دون أن تصل هذه الحلول إلا فيما ندر إلى الجماهير العريضة والبائسة التي يسيطر عليها غالبا وعي زائف ، وقد نجح اليمين الديني بعد فورة النفط وهزيمة حركة التحرر الوطني وانهيار المعسكر الاشتراكي ، نجح في ما يشابه السيطرة الكاملة على الوعي الوطني وحوله وعيا دينيا مشوها ، وإندرج عبر الثقافة التي يروجها ضمن الاستراتيجية الأمبريالية التي أطلقت الإرهاب ومولته من أجل تقسيم العالم إلى دويلات صغيرة طائفية أو عرقية ، تعجز عن الدفاع عن نفسها أو صيانة استقلالها ، وهكذا يجري تحويل الشعوب إلى زبائن والبلدان إلى أسواق .

وفي ظل غياب المشروع ، الثقافي النهضوي الجامع الذي يتأسس بعمق على السياسة دون أن يتطابق معها سوف يظل المثقفون التنويريون يتساءلون .

ما العمل ؟

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy