د. جودة عبدالخالق يكتب:وطنى وصباى وأحلامى..من دفتر ذكريات يونيو- أكتوبر

259

لقطات
وطنى وصباى وأحلامى..من دفتر ذكريات يونيو- أكتوبر

د. جودة عبد الخالق

ليس هناك أشد وأقسى من الإحساس بالقلق على الوطن وأنت في الغربة، على بعد عشرات الآلاف من الكيلومترات. أقول ذلك بمناسبة الذكرى 47 لنصر أكتوبر العظيم. فقد سافرنا أنا وزوجتى كريمة كريم إلى كندا للحصول على الدكتوراه في الاقتصاد بعد هزيمة 1967 بحوالى عام. غادرنا الوطن إلى هذه البلاد البعيدة طلبا للعلم. غادرناه بأجسادنا فقط؛ لكن أرواحنا وقلوبنا بقيت هناك في المحروسة. لقد عاش جيلى بعد 5 يونيو كابوسا رهيبا؛ فيومها انهار الحلم و تبدد الأمل و اعتمت الرؤية. شعور رهيب بالضياع اجتاح الجميع. و تضاعفت حدة هذا الشعور بعد انتقالنا لطلب العلم. كنت كمن أصابته الهزيمة بصدمة عصبية، وظل في انتظار صدمة عكسية تشفيه من سقمه.
عقب هزيمة 1967 تكرر كثيرا إذاعة أغنية “وطنى و صباى وأحلامى”، التي تم انتاجها عام 1957، من تأليف أحمد مخيمر وتلحين محمود الشريف وغناء عبدالرؤوف إسماعيل ونجاة الصغيرة. ولذلك اقترن سماع هذه الأغنية عندى بمأساة 1967 المروعة. ورغم روعة الأغنية مبنى ومعنى وأداء، إلا أن سماعها كان يصيبنى بما يشبه الكابوس المروع الذى يقُضُّ مضجع النائم. لكن الوضع تغير تماما بعد 1973. بالنسبة لى، و ربما لجيلى كله، كانت هزيمة 1967 هي الصدمة التي أفقدتنا إتزاننا النفسى. وكان نصر 1973 بمثابة الصدمة العكسية التي أعادت لنا الاتزان المفقود. وبعد نصر أكتوبر، أصبحت قادرا على الاستمتاع بتلك الأغنية الجميلة. (الرابط https://www.youtube.com/watch?v=eFs7xwkVCsw)
في ذكرى انتصار أكتوبر يدور شريط الذكريات. المكان- مدينة هاملتون بمقاطعة أونتاريو الكندية. الزمان- الثامنة وخمس دقائق صباح السبت 6 أكتوبر1973 (الثانية وخمس دقائق بعد الظهر بتوقيت القاهرة). المشهد- مجموعة من الطلبة العرب في طريقهم لقضاء عطلة نهاية الأسبوع في غابة على شاطئ إحدى البحيرات في شمال أونتاريو. لكن كريمة نسيت شيئا فعادت إلى البيت لتجلبه. شيء ما دعاها إلى فتح جهاز التلفاز في تلك اللحظة، وإذ بها تفاجأ بأكبر المحطات الإخبارية تقطع برامجها لتذيع النبأ العاجل: “لقد اندلعت الحرب في الشرق الأوسط … المصريون يهاجمون بضراوة وتدفق المركبات و الدبابات عبر الجسر المصرى فوق قناة السويس يشبه انسياب المرور في الشارع الخامس في مانهاتن”! ألغينا خططنا، واندفع الجميع إلى بيتنا نتابع الأخبار بمزيج من الأمل و الرجاء. قلق .. خوف .. أمل .. دعاء. كانت تلك هي مشاعرنا لحظتها.
حصلنا على إجازة من العمل في الجامعة، لنتفرغ لمتابعة الحدث المصيرى .وشكَّلنا لجنة لجمع التبرعات من المتعاطفين الكنديين، و قررنا التبرع بمرتب شهر من المنح الدراسية لدعم المجهود الحربى. ونظمنا مسيرة تجوب شوارع مدينة هاملتون وتهتف باسم مصر للفت انتباه الكنديين لعدالة موقف مصر، وأنها لا تعتدى بل تمارس حقها المشروع في استرداد أرضها المغتصبة من إسرائيل. كان مشهد المسيرة مدهشا. الشرطة تنظم المسيرة و تحميها و تحوّْل المرور إلى مسالك بديلة لإفساح الطريق لمسيرتنا. و الجماهير على جانبي الطريق تتابع الحدث بفضول، ولكن بود واضح. ونحن نرفع علم مصر خفاقا و ننشد “بلادى .. بلادى .. لك حبى وفؤادى …”. لن أنسى أنه من بين المشاركين زميلة لنا وكانت حامل في الشهر التاسع‘ رفضت مناشداتنا لها بألا تشارك، آملة أن يتم الحدث السعيد في هذه المناسبة التاريخية العظيمة!
12/10/2020

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق