أزمة الدواء إلى أين؟..مطالبات بحلول جذرية من الدولة لـ “الأدوية المغشوشة والنواقص” وتغليظ العقوبات

محمود فؤاد: قرارات الهيئة بعدم تداول الأدوية المحظورة لا يطبق فى القرى والمناطق البعيدة

إيرين سعيد: تذليل العقبات أمام المنتجين والمصنعين يساعد فى أزمة النواقص

على عوف: أسعار الدواء فى مصر تتم مراجعتها دورياً للوقوف لضبط عمليات الإنتاج فى ظل ارتفاع التكاليف

أحمد الأحمر: قد تكون هناك ممارسات خاطئة وراء حالات الوفاة وليس غشاً فى التصنيع

 

 

يعتبر تكرار واستمرار أزمة الأدوية المغشوشة ونواقص الأدوية من أبرز الملفات التى تهدد القطاع الصحى، بسبب انعكاس تأثيرهما على المواطن البسيط بشكل مباشر، فهو وحده من يحصد نتائج عدم نجاح القائمين على هذا القطاع الحيوي وفشلهم فى إدارة هذه الأمور وسط غياب كامل للرقابة.

أزمة نواقص الأدوية تتفاقم يوماً بعد يوم، نتيجة نقص المواد الخام ومستلزمات الإنتاج والتى بدأت منذ سنوات وأدت لارتفاعات كبيرة فى الأسعار وصلت لـ 90% وطالت أكثر من 3000 صنف دوائى، من أصل قرابة 17 ألف صنف متداول في الأسواق، مقابل انخفاض كميات الأدوية المعروضة، بل وأحياناً يصل الأمر إلى اختفاء أدوية لأمراض شديدة الخطورة، بما يهدد حياة المواطنين المصابين بأمراض مزمنة.

الأصناف

وشهد سوق الدواء مؤخرا زيادة في أسعار عدد من الأصناف خاصة بنسب متفاوتة، تتراوح بين 20% و25% امتدت لتشمل عددًا من منتجات الشركات المحلية والأجنبية، وأبرزها أدوية السكر، ودواء إلتروكسين ويوثيروكس للغدة الدرقية، وكارديكسين لمرضى القلب، وترايلبتال وتيراتام لعلاج الكهرباء الزائدة على المخ، وأورسوبلس لمرضى الكبد، بالإضافة إلى بلميكورت وأتروفينت اللذين يستخدمان كموسّعين للشعب الهوائية غير متوفرين منذ أكثر من خمسة أشهر، وسيلجون وريكتوبليكسيل لعلاج الكحة لدى الأطفال والرضّع، كما أكدت عدد من الصيدليات اختفاء أدوية المناعة والنزلات المعوية المرتبطة بأمراض الصيف والإسهال والحمى وغيرها، علاوة على أدوية السكر والكوليسترول، فيما لا يوجد من كافسيد سوى للرضع فقط وبعدد محدود بواقع ثلاث علب شهريًا، ومنتجات “أكنى” لعلاج حب الشباب والتى تحتوى على مادة إريثرومايسينا، وفيدروب نقط للأطفال، وسيتال نقط لخفض الحرارة للأطفال، وباراسيتامول وباندول الأزرق، وعقار نصار ملين، وأليرجين للحساسية.

والأخطر فى الأمر هو تحذيرات خبراء صناعة الدواء، من أنه فى حالة عدم اتخاذ إجراءات رسمية عاجلة لحل أزمة ارتفاع أسعار الخامات الدوائية، سوف يزداد تفاقم نواقص الدواء، خاصة أن مخزون المواد الخام الدوائية المتوافر حاليا لدى المصانع سيبدأ فى النفاد، مما سيؤدى لتوقف عملية الإنتاج، وبالتالي عدم توافر الدواء تماماً بالسوق، وسط مطالب بإعطاء أولوية لشركات الدواء فى استيراد مستلزمات إنتاجها لتعزيز فرص الإنتاج.

من جانبها، ترى إيرين سعيد، عضو لجنة الصحة بمجلس النواب، أن هناك عمليات تحريك لأسعار أكثر من 2000 صنف دواء، على مدار الأشهر الماضية بداية من يناير 2023، وذلك بنسب تتراوح ما بين 30% و90%، علاوة على أن هناك بعض الأصناف لها أكثر من تسعيرة تختلف من مكان لآخر، بسبب سوء نظام التسعير، موضحة أنه من أسباب الأزمة محاولة توطين صناعة الأدوية فى مصر وهو سبب غير مقصود بالتأكيد فصعوبة توفير العملة الأجنبية أدى بالتبعية إلى صعوبة توفير أى دواء مستورد بكميات كبيرة فى السوق وأن كان الحل هنا هو الدواء البديل، الأمر الذى يتطلب عدم الضغط على الاحتياطي المستورد فى ظل توافر الدواء المصرى فى السوق، مضيفة أن توقف بعض خطوط الإنتاج فى بعض الشركات أثر على المخزون تزامناً مع زيادة سحب بعض الأصناف بشكل عشوائي، والحل يكمن فى التوقف عن الصرف العشوائي للأدوية بالإضافة الى استخدام الاسم العلمي بدلا من الاسم التجاري، وكذلك تدخل الدولة بالدعم والتحفيز لشركات الأدوية التى تمتلك خط إنتاج واحد فقط لأصناف معينة بحيث تقوم بفتح خطوط إنتاج أكثر، بمعنى فتح الصندوق أمام أكثر من منافس لتصنيع نفس المادة الفعالة خاصة أدوية الهرمونات فمن المهم أن يتجه التصنيع بشكل عام إلى هذا النوع من الأدوية، بالإضافة إلى ضرورة نقل تكنولوجيا الإنتاج لكل الأصناف المهمة التي يمكن تصنيعها في مصر ومنح الشركات المصرية ترخيص إنتاج عاجلًا لتوفيرها في السوق، حيث إن إصلاح سوق الدواء المصرى يبدأ من تذليل العقبات التى تواجه المصنعين والمستثمرين فى مجال الدواء، وهو المطلوب من هيئة الدواء بأن تقوم بتحفيز الشركات على الإنتاج من خلال تسهيل فى التراخيص، خاصة أن هناك توجهًا من الدولة لتصنيع المواد الخام لتقليل تكلفة الإنتاج وبناء عليه تقليل سعر الدواء للمريض.

ارتفاع التكاليف

فيما أكد علي عوف، رئيس شعبة الأدوية بالغرف التجارية،أن زيادة سعر بعض الأصناف من الأدوية أمر حتمى بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج والشحن، خاصة أن الدول المصدرة للمواد الخامة مستمرة فى رفع الأسعار بنسب تجاوزت الـ 35% فى ضوء التغير والتذبذب الذى يشهده سوق العملة الأجنبية، موضحاً أن أسعار الدواء فى مصر تتم مراجعتها دورياً كل ستة أشهر مع هيئة الدواء حتى يتسنى لنا الوقوف على انضباط عمليات الإنتاج وعدم توقفها فى ظل ارتفاع التكاليف وانخفاض الربح، مشيرا إلى ارتفاع المواد الخام بنسبة 4% مؤخراً، ولكن الهيئة تقوم باستشارة شركات الأدوية في اختيار الأدوية التي تريد أن ترفع أسعارها، مقابل أن تكون هناك أسعار عادلة بين شركات الأدوية والمواطن، حتى لا يخسر أي منهم، وهنا يبدأ دور اللجنة المخصصة للتسعير، والذى يتمثل فى دراسة طلبات الشركات بتحريك أسعار الأدوية وإصدار موافقات زيادة الأسعار بعد دراسة إذا كانت تستحق الزيادة أم لا.

وأضاف عوف، أنه كلما كان عدد وحدات الإنتاج فى الأصناف الأقل سعر أقل فى الكمية تذهب لصالح الأصناف الأعلى سعرا والمستوردة، ما يؤدى في النهاية إلى وقف هذه الأصناف، ما يؤكد ضرورة مراجعة الأسعار فى الأصناف الأرخص لضبط السوق خاصة التى تنتجها شركات القطاع العام والأعمال.

إدارة الأزمات

وتأكيداً لخطورة الوضع، أصبح هناك مطالبات واضحة بسرعة بتفعيل دور إدارة الأزمات بهيئة الدواء في توفير نواقص الأدوية، خاصة الأدوية المستوردة التي اختفت من بعض الصيدليات، أملًا في زيادة أسعارها بما يفوق السعر العادل بسبب ارتفاع سعر الدولار.

من جانبه، أكد دكتور أحمد العطار، طبيب صيدلى، أن الأمر يشكل خطورة على صحة المواطنين لعدم وجود رقابة من وزارة الصحة على آليات حفظ وتخزين تلك الأدوية، علاوة على قيام عيادات بعض الأطباء، من الذين يبحثون عن تحقيق الأرباح ببيع بعض هذه الأدوية بطرق غير مشروعة رغم تجريم القانون بيع الدواء في أي مكان خارج الصيدليات، مشيراً إلى أن مواجهة هذه الأزمة يكمن فى تعاون شركات إنتاج الدواء مع هيئة الدواء ممثلة فى لجنة إدارة الأزمات، من أجل إعلاء صحة المواطن على أي أرباح، مطالبًا بتشديد الرقابة على إجراءات مكافحة غش الدواء، وتغليظ العقوبات على المصانع غير المرخصة والأماكن التي تبيع الدواء دون تصريح، وتغليظ العقوبات على الشركات التي توقف إنتاج أصناف من الأدوية بحجة ارتفاع أسعار الخامات.

وأضاف أن أسعار الأدوية ارتفعت بشكل واضح مؤخرا، لكن الصيدليات لا تستطيع بيعها بالسعر الجديد، ما يسبب في زيادة الهالك لاستقبال بضاعة جديدة على الأسعار الجديدة، موضحاً أن أى زيادة تشكل أزمة للصيادلة فى بيع الدواء بالسعر الموجود على العلبة، وبيع الجديد بالقديم حسبما يطلق عليه الصيادلة، وبالتالي في حال تطبيق السعر الجديد، الصيدلي ملزم ببيع الدواء بالسعر الموجود على العلبة، ما يؤدي لخلل واضح في إيراداته ومن هنا نتجت السوق السوداء للأدوية.

الأدوية المغشوشة

أما فيما يتعلق بأزمة الأدوية المغشوشة والتى أصدرت هيئة الدواء، بياناً تحذر فيه من انتشار ما يقرب من 6 أصناف مغشوشة موجودة في السوق الدوائية، ومنها على سبيل المثال ” اليونيكتام (شكل العلبه القديم)، وحقن فولتارين، كيتولاك، يبوفيت، بيمفاست، راميتاكس، سيفتريكسون بكل التركيزات، ديفارول اس، ريكسوتاز، راميسيفتراكس، حقنة البرد ٣*١ (خلطة البرد)، و “أوتريڤين” لعلاج احتقان الجيوب الأنفية بشكل سريع، وعلاج نزلات البرد، وحمى القش، مضاد حيوي سيبروسين 500 مجم أقراص والأنفلونزا، وأشارت الهيئة إلى أنه يمكن التفرقة ظاهرياً بين العبوات الأصلية والمغشوشة، من حيث الكرتون الخارجي والوجه الجانبي للعبوة، والنشرة الداخلية، الأمر الذى تسبب فى إثارة جدل كبير على مواقع التواصل الاجتماعي والسوشيال ميديا، وأثار تساؤلات بشأن طريقة التفرقة بين الأدوية الأصلية والمغشوشة، والتشغيلات المُحددة لتلك الأدوية المغشوشة.

فيما حذرت منظمة الصحة العالمية فى بيان من الأدوية المغشوشة ودون المستوى، موضحة أن حجم المشكلة وأضرارها لكل من الأرواح والاقتصاد هائل، حيث أنه يتم إنفاق أكثر من 30 مليار دولار سنويًا على الأدوية المغشوشة، مضيفة أنه بينما أكد خبراء قطاع الأدوية أن الأزمة قديمة وتحتاج إلى آليات مختلفة وطرق رقابية متعددة لإحكام السيطرة على السوق، ومواجهة الظاهرة التي تؤدي في كثير من الأحيان إلى وفاة المرضى حال تعاطي دواء مغشوش، حيث أكد مهندس كميائى أشرف عبدالرازق، مسئول تركيبات الأدوية بإحدى شركات الأدوية الكبرى، أن هناك العديد من التركيبات المغشوشة التي تصدر بها وزارة الصحة بيانًا بمنع التعامل معها، نظرا لما لها من تأثيرات سلبية كبيرة على الصحة العامة، مؤكداً أن هذه الظاهرة تؤثر بلا شك في جودة الدواء المصري وفي سمعته، كما أنه يكون له تأثيرات سلبية على بعض الشركات الملتزمة بكافة المعايير والضوابط، موضحاً أنه ظهر مؤخراً بعض التطبيقات التى من شأنها مساعدة الصيادلة على التعرف على الدواء السليم من المغشوش باستخدام باركود لكل نوع علاج، مقترحاً إطلاق دورات تدريبية تشمل كافة التفاصيل المتعلقة بفكرة إعطاء الحقن حيث تقدم وزارة الصحة ورئيس هيئة الدواء لكل من الصيادلة والعاملين فكرة متابعة نشرات هيئة الدواء واستبعاد التشغيلات التي حذرت منها الهيئة حال وصولها للصيدليات.

جهات مراقبة

وفى السياق نفسه، يرى دكتور أحمد الأحمر، أمين سر لجنة الصحة بمجلس الشيوخ، أن موضوع الأدوية المغشوشة ليس بالظاهرة، علاوة على كونه أمرًا غير مقلق  خاصة أن هناك أكثر من جهة تراقب على الأدوية وتأثيرها ومنها هيئة الدواء المصرية وفقاً للقانون، مشدداً على أن الهيئة ونقابة الصيادلة تعملان معًا على توفير دواء آمن للمريض، إضافة إلى أن شركات الأدوية لديها أقسام تتابع سلامة الأدوية، موضحا أن الأدوية المغشوشة تكون لدى أماكن معينة، مثل مصانع تحت بير السلم أو تجار الشنطة، أما كافة الأدوية الموجودة في الصيدليات آمنة وتخضع للمراقبة.

ممارسات خاطئة

وأوضح الأحمر، أن هناك ممارسات خاطئة من الممكن أن تكون سبباً لحالات الإصابة أو الوفاة المعلن عنها وليس بسبب الغش فى تصنيع الدواء، منها أن يكون هناك شخص غير مؤهل قام بكتابة دواء غير سليم للمريض أو عدم قيام المريض نفسه بإجراء اختبار حساسية، بالإضافة إلى حالات سوء التخزين للدواء أو نقله، مضيفاً أن البعض يرى أن إصدار نشرات الهيئة للأدوية المغشوشة لا يحل المشكلة بشكل قاطع، إذ تكون المستحضرات المختلفة موجودة بالفعل وتباع في الصيدليات، ولا يتمكن المريض من فحص العلبة والتأكد من خلو المستحضر من تحذيرات الهيئة في النشرات المختلفة، خاصة أن الأمر يحتاج صيدلي ليدقق في رقم التشغيلة ويستبعد المنتجات التي تحذر منها الهيئة، ولكن الآلية الأكثر فاعلية التوسع في تحليل كل عينات الدواء، والعودة إلى النظام القديم بتحليل ثلاث عينات من كل خط إنتاج، ولا يتم السماح بتوريد أي منتج لمخازن التوزيع أو الصيدليات إلا بعد التأكد من جودته، بالإضافة إلى زيادة عدد مفتشي الهيئة ليتمكنوا من ملاحقة الكميات الكبيرة من الأدوية المُهربة التي تمر للصيدليات بدون فحصها أصلا من قِبل هيئة الدواء.

سحب الأدوية المغشوشة

بينما أكد محمود فؤاد، المدير التنفيذي للمركز المصرى للحق في الدواء، أن نسبة الدواء المغشوش وصلت لأكثر من 10% من الأدوية المتداولة في السوق، ومن المتوقع أن يزداد الأمر سوءًا خلال الأيام المقبلة إذ استمررنا على هذا النهج، ونتوقع فى يناير 2024 يطال التأثير الأصناف المحلية التى تغطى 80% من السوق المصرية، فبالنسبة لـ 20% الأخرى، مشدداً على إن قرارات هيئة الدواء بشأن عدم تداول الأدوية المحظورة في الصيدليات لا تطبق في المناطق العشوائية والقرى البعيدة، لعدم وجود رقابة كافية في تلك المناطق، موضحًا أن هيئة الدواء لا تقوم بسحب الأدوية المغشوشة من الأسواق، وإنما تعتمد فقط على الإعلان عن أسمائها عبر صفحتها الرسمية، مطالباً بضرورة تدخل لجنة الصحة بمجلس النواب، لمواجهة غش الأدوية، وإجراء تعديلات عاجلة على قانون مزاولة مهنة الصيدلة الذي لم يتم تعديله منذ عام 1959، موضحا أن صناعة الدواء تمر بمراحل معقدة جدًا، ويتم الإبلاغ بشكل يومي عن الصفحات المشبوهة على الإنترنت التي تقوم بالترويج لأصناف أدوية، بالتواصل مع هيئة الدواء وجهاز حماية المستهلك، وللأسف إذا تم القبض على أحد البائعين أو المروجين لصنف دواء مغشوش فسيخرج بعد دفع غرامة ألف جنيه فقط، لأنه حتى اليوم نتعامل مع قانون متهاون، فكلما كانت العقوبة رادعة تتناسب مع الفعل انحصر أمر الغش في الأدوية.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy