إلهامي الميرغني: الحماية الاجتماعية استثمار إجتماعي يدعم الاقتصاد ويحد من الفقر
لا يقتصر أثر غياب الحماية الاجتماعية على النساء العاملات وحدهن، بل يمتد إلى أسرهن وسوق العمل والاقتصاد الوطني بأكمله. فحين تعمل المرأة دون تأمين اجتماعي أو صحي، تصبح أكثر عرضة للفقر عند المرض أو الشيخوخة أو فقدان العمل، بينما تتحمل الأسرة والدولة لاحقًا تكلفة غياب الحماية.
ويرى الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني أن توسيع مظلة التأمينات الاجتماعية للعاملات في الاقتصاد غير الرسمي لم يعد مجرد مطلب اجتماعي، بل أصبح ضرورة اقتصادية واستثمارًا طويل الأجل موضحا أن الحماية الاجتماعية جزء من عملية التنمية المستدامة ولا تمثل عبء على الدولة فهي استثمار اجتماعي يعود بالنفع علي الجيل الحالي والاجيال القادمة. و ينعكس على زيادة الإنتاجية، وتحسين أوضاع الأسر، ودعم التنمية المستدامة.
ملايين النساء خارج المظلة
يؤكد أن النساء يمثلن شريحة واسعة من العاملين في الاقتصاد غير الرسمي، مشيرًا إلى أن أكثر من 2.5 مليون سيدة يعملن في هذا القطاع، إلى جانب نحو مليون صاحبة عمل لا توظف عاملات أخريات، فضلًا عن مليون سيدة يعملن لدى الأسر دون أجر، وهو ما يعني أن عدد النساء العاملات في الاقتصاد غير الرسمي يتراوح بين 4.5 و5 ملايين سيدة.
ويضيف أن هذه الأرقام تعكس حجم الفجوة في منظومة الحماية الاجتماعية، خاصة أن غالبية هؤلاء النساء يعملن في مهن منخفضة الأجر، مثل العمل المنزلي، والزراعة، والبيع الجائل، وبعض الأنشطة الصناعية، دون أي تغطية تأمينية.
المرأة المعيلة الأكثر تضررًا
ويلفت الميرغني إلى أن ملايين الأسر المصرية تعتمد في دخلها الأساسي على النساء، مشيرًا إلى أن عدد النساء المعيلات يتجاوز 12 مليون سيدة، بينما تشير تقديرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن عدد الأسر التي تعولها النساء بالكامل يتراوح بين 3.3 و5.9 مليون أسرة، بما يمثل ما بين 13.4% و18.2% من إجمالي الأسر المصرية.
ويؤكد أن حرمان هذه الفئات من التأمينات الاجتماعية لا يؤثر على المرأة وحدها، وإنما يهدد استقرار الأسرة بأكملها، خاصة عند التعرض للمرض أو العجز أو بلوغ سن الشيخوخة.
الفقر يبدأ من غياب الحماية
ويحذر الميرغني من أن استمرار غياب الحماية الاجتماعية يؤدي إلى زيادة معدلات الفقر والهشاشة الاقتصادية، لأن العاملات منخفضات الدخل لا يمتلكن مصدرًا بديلًا للدخل إذا فقدن عملهن أو تعرضن لظروف صحية تمنعهن من العمل.
ويضيف أن غياب التأمينات يجعل المرأة وأسرتها أكثر عرضة للأزمات الاقتصادية، ويزيد اعتمادها على المساعدات، بينما كان من الممكن تجنب ذلك عبر نظام تأميني يوفر لها الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي.
تجارب دولية ناجحة
ويشير الباحث الاقتصادي إلى أن عددًا من الدول، مثل الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، نجحت في دمج شرائح واسعة من العاملين في الاقتصاد غير الرسمي داخل منظومات الحماية الاجتماعية، من خلال تبسيط إجراءات التسجيل، وخفض قيمة الاشتراكات، وتقديم مزايا تأمينية حقيقية تشجع على الانضمام إلى النظام.
ويرى أن هذه التجارب تؤكد أن الوصول إلى العمالة غير الرسمية ليس أمرًا مستحيلًا، وإنما يتطلب سياسات مرنة تتناسب مع طبيعة هذا القطاع.
أزمة الحصر
ويؤكد الميرغني أن التحدي الأكبر لا يتمثل فقط في إصدار القوانين، وإنما في الوصول إلى الفئات المستحقة، موضحًا أن الدولة تمتلك اليوم قواعد بيانات ومنظومات إلكترونية يمكن الاستفادة منها في حصر العمالة غير المنتظمة.
ويضرب مثالًا بما حدث خلال جائحة كورونا، حين حصل نحو 1.5 مليون عامل فقط على منحة العمالة غير المنتظمة، رغم أن التقديرات كانت تشير إلى وجود أكثر من 8 ملايين عامل في هذا القطاع، وهو ما كشف عن وجود فجوة كبيرة في عمليات الحصر والوصول إلى المستحقين.
ويضيف أن المشكلة نفسها تظهر في تحديد الفئات غير القادرة ضمن منظومة التأمين الصحي الشامل، حيث لا تزال الحاجة قائمة إلى قواعد بيانات أكثر دقة تساعد في توجيه الدعم والحماية إلى مستحقيها.
استثمار في التنمية
ويشدد الميرغني على أن الحماية الاجتماعية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها عبئًا على الموازنة العامة، بل باعتبارها استثمارًا اجتماعيًا واقتصاديًا يعود بالنفع على الأجيال الحالية والقادمة.
ويؤكد أن توفير التأمينات الاجتماعية للعاملات يسهم في زيادة الإنتاجية، وتحسين مستوى معيشة الأسر، وتقليل معدلات الفقر، ودعم مشاركة المرأة في سوق العمل، وهو ما ينعكس في النهاية على النمو الاقتصادي وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
ويبقى نجاح أي سياسة للحماية الاجتماعية مرهونًا بقدرتها على الوصول إلى الفئات الأكثر احتياجًا، وفي مقدمتها ملايين النساء العاملات في الاقتصاد غير الرسمي، اللاتي يواصلن العمل يوميًا دون ضمانات تحميهن من المرض أو العجز أو الشيخوخة، رغم أن دمجهن في منظومة التأمينات يمثل استثمارًا في الإنسان والتنمية، وليس مجرد تكلفة تتحملها الدولة.

التعليقات متوقفه