الأمومة بلا حماية.. كيف يدفع غياب التأمين النساء إلى الخروج من سوق العمل؟

3

 

لا تمثل الأمومة بالنسبة لكثير من النساء العاملات في الاقتصاد غير الرسمي مرحلة تستحق الحماية والدعم، بل تتحول إلى نقطة فاصلة قد تنهي مسيرتهن المهنية. فمع الحمل والولادة، تجد آلاف العاملات أنفسهن أمام خيارين أحلاهما مر؛ إما التوقف عن العمل وفقدان مصدر الدخل، أو العودة سريعًا إلى العمل دون رعاية صحية أو تعويض مالي، في ظل غياب التأمينات الاجتماعية التي تكفل لهن حقوقهن.

ورغم أن الحماية الاجتماعية تعد أحد أهم أدوات تمكين المرأة اقتصاديًا، فإن ملايين العاملات في القطاع غير الرسمي ما زلن محرومات من أبسط المزايا التأمينية، وعلى رأسها تعويضات الأمومة والتأمين ضد المرض وإصابات العمل.

الأمومة سبب للخروج من سوق العمل

تكشف الباحثة الاقتصادية سلمى حسين، في دراستها “خارج التغطية.. كيف ندمج الشباب والنساء في نظام التأمينات الحالي؟”، أن غياب الحماية المرتبطة بالأمومة يعد أحد أبرز الأسباب التي تدفع النساء إلى مغادرة سوق العمل، إذ تضطر كثيرات إلى ترك وظائفهن بعد الإنجاب نتيجة عدم وجود ضمانات تضمن استمرار دخلهن خلال فترتي الحمل والولادة.

وتوضح الدراسة أن المرأة العاملة في القطاع غير الرسمي لا تحصل في الغالب على إجازة وضع مدفوعة الأجر، ولا تتمتع بتأمين صحي يغطي تكاليف الحمل والولادة، كما أنها لا تحصل على أي تعويض إذا اضطرت إلى التوقف عن العمل بسبب ظروف صحية مرتبطة بالأمومة.

عمل بلا حقوق

وتشير الدراسة إلى أن النساء العاملات في الزراعة، والعمل المنزلي، والمنشآت غير الرسمية، والعمل عبر المنصات الرقمية، يواجهن أوضاعًا أكثر هشاشة من غيرهن، لأن كثيرات منهن يعملن دون عقود رسمية أو اشتراك في التأمينات الاجتماعية.

ويحرمهن ذلك من حقوق أساسية، تشمل التأمين ضد المرض، وتعويضات إصابات العمل، ومزايا الأمومة، وهو ما يجعل أي أزمة صحية أو أسرية تهدد مصدر دخلهن بشكل مباشر.

فجوة واسعة في الحماية

وترجع الدراسة استمرار استبعاد النساء من منظومة الحماية الاجتماعية إلى مجموعة من العوامل، في مقدمتها انتشار العمل غير الرسمي، وعدم شمول العاملات غير المنتظمات بمزايا الأمومة بصورة كافية، وضعف قيمة التعويضات مقارنة بالأجر الفعلي، إلى جانب انخفاض الوعي بالحقوق التأمينية.

كما تشير إلى أن كثيرًا من العاملات يعتقدن أن مسؤولية التعويض تقع بالكامل على صاحب العمل، بينما يتخوف بعض أصحاب الأعمال من تشغيل النساء بسبب ما يرتبط بإجازات الوضع من تكاليف، وهو ما يفتح الباب أمام ممارسات تمييزية في التوظيف.

أرقام تعكس حجم الأزمة

وتكشف الدراسة عن اتساع فجوة الحماية الاجتماعية في سوق العمل، إذ يعمل نحو 70% من قوة العمل في مصر ضمن العمالة غير المنتظمة، بينما يعمل سبعة من كل عشرة عاملين في وظائف غير رسمية.

وفي المقابل، يتمتع 96% من العاملين بالجهاز الحكومي بتغطية تأمينية، بينما يظل نحو 70% من العاملين في القطاع الخاص خارج مظلة التأمينات، وترتفع نسبة غير المؤمن عليهم في القطاع غير الرسمي إلى نحو 90%.

وتلفت الدراسة كذلك إلى أن معدل البطالة بين النساء يتجاوز 17%، بينما يصل إلى نحو 29% بين الفتيات في الفئة العمرية من 15 إلى 29 عامًا، وهو ما يعكس حجم التحديات التي تواجه المرأة في الحصول على عمل لائق ومستقر.

الحماية الاجتماعية أداة للتمكين

وترى الباحثة أن الحماية الاجتماعية لا تقتصر على صرف معاش بعد بلوغ سن التقاعد، وإنما تمتد لتشمل توفير شبكة أمان طوال سنوات العمل، عبر التأمين ضد المرض، وإصابات العمل، والبطالة، والأمومة، بما يضمن استمرار الدخل ويحافظ على استقرار الأسرة.

وتؤكد أن تحمل نظام التأمينات الاجتماعية تكلفة إجازات الأمومة، بدلًا من تحميلها لصاحب العمل، من شأنه أن يقلل من التمييز ضد النساء في التوظيف، ويشجع أصحاب الأعمال على تشغيلهن دون التخوف من الأعباء المالية المرتبطة بالحمل والولادة.

تمكين المرأة يبدأ بالحماية

وترى الباحثة  أن زيادة مشاركة المرأة في سوق العمل لا ترتبط فقط بتوفير فرص العمل، وإنما أيضًا بوجود منظومة حماية اجتماعية تضمن استمرارها في العمل دون أن تضطر إلى الاختيار بين أسرتها ووظيفتها.

فالحماية الاجتماعية ليست مجرد حق قانوني، بل هي أحد أهم أدوات التمكين الاقتصادي، لأنها تمنح المرأة الشعور بالأمان، وتضمن لها دخلاً عند التعرض للمرض أو التوقف المؤقت عن العمل، وتحافظ على استقرار الأسرة، خاصة في ظل تزايد أعداد الأسر التي تعولها النساء.

ويبقى التحدي الحقيقي هو الانتقال من الاعتراف بحقوق المرأة العاملة إلى توفير آليات تضمن حصولها عليها، حتى لا تتحول الأمومة، التي يفترض أن تحظى بأكبر قدر من الرعاية، إلى سبب يدفع آلاف النساء إلى الخروج من سوق العمل، وفقدان مصدر رزقهن.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy