هشاشة وظيفية.. وعمالة غير مستقرة .. العمل المؤقت يحاصر العمال..ويبدد الاستقرار الوظيفي
المرأة خارج حسابات سوق العمل.. البطالة بين الإناث 14.4%
انخفاض البطالة تجميل للواقع.. وفرص العمل الجديدة أغلبها مؤقتة
71 % من عمال القطاع الخاص بلا تأمينات
تحقيق: نجوى إبراهيم
كشفت مؤشرات سوق العمل خلال الربع الثاني من عام 2026 عن تراجع معدل البطالة إلى 5.8% مقابل 6% خلال الربع الأول، وارتفاع قوة العمل إلى 35.64 مليون فرد، مقارنة بـ35.41 مليون فرد، بالتزامن مع زيادة عدد المشتغلين إلى نحو 33.6 مليون مشتغل، بارتفاع يصل إلى 300 ألف مشتغل خلال ثلاثة أشهر.
ولكن خلف هذه الأرقام التى تشير إلى زيادة أعداد المشتغلين وتراجع البطالة تبرز العديد من التساؤلات التي تتعلق بطبيعة الوظائف التي استوعبت هذه الزيادة، ومدى استقرارها، ومستوى أجورها، وحصول العاملين فيها على حقوقهم الاجتماعية والتأمينية..ام أن هذا التحسن يرتبط بوظائف مؤقتة أو موسمية أو غير رسمية؟
تزداد أهمية هذه الأسئلة مع استمرار فجوات واضحة في سوق العمل حيث يبلغ معدل البطالة بين الإناث 14.4% مقابل 3.4% بين الذكور، بينما سجلت البطالة في الحضر 8.8% مقابل 3.5% في الريف…الأمر الذي يدفعنا للتساؤل أيضا:هل أصبح الريف أكثر قدرة على توفير فرص العمل مقارنة بالمدن، أم أن انخفاض البطالة فيه يرتبط بطبيعة العمل الزراعي والموسمي؟ ولماذا لا تزال المرأة تواجه فجوة كبيرة في سوق العمل رغم مشاركتها في أنشطة اقتصادية متعددة؟
أسئلة نطرحها على خبراء الاقتصاد وسوق العمل، في محاولة لقراءة ما وراء الأرقام، والبحث في مدى انتقال التحسن الكمي في مؤشرات التشغيل إلى تحسن حقيقي في جودة واستقرار فرص العمل…
استعرض الدكتور أحمد رستم، وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، خلال اجتماع مجلس الوزراء برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي،
مؤشرات سوق العمل مؤكدا ارتفاع قوة العمل إلى نحو 35.64 مليون فرد، مقابل 35.41 مليون خلال الربع الأول، بزيادة بلغت 0.6%، فيما ارتفع عدد المشتغلين إلى نحو 33.6 مليون مشتغل، مقارنة بـ33.3 مليون، بنسبة زيادة بلغت 0.8%. وفي المقابل، تراجع عدد المتعطلين بنحو 2.4%، ليسجل قرابة 2.08 مليون متعطل، مقابل 2.13 مليون خلال الربع السابق.
وكشفت المؤشرات أيضا عن استمرار فجوات واضحة بين فئات المجتمع ،فعلى الرغم من تراجع معدل البطالة بين الذكور إلى 3.4%، ارتفع معدل البطالة بين الإناث إلى 14.4%، مقارنة بـ14.3% خلال الربع الأول، بما يعكس استمرار صعوبة دخول النساء إلى سوق العمل أو الاستمرار فيه.
كما سجلت البطالة في الحضر 8.8%، مقابل 3.5% في الريف، لتبقى الفجوة الجغرافية واحدة من أبرز ملامح سوق العمل.
ولا تتوقف التباينات عند معدلات البطالة، إذ يتركز جانب كبير من العمالة في أنشطة بعينها، حيث استحوذ قطاع الزراعة وصيد الأسماك على النسبة الأكبر من المشتغلين بنحو 6.25 مليون عامل، يمثلون 18.6% من إجمالي المشتغلين، يليه قطاع تجارة الجملة والتجزئة بنسبة 17.2%، ثم الصناعة التحويلية بنسبة 13.5%، والتشييد والبناء بنسبة 11.8%، والنقل والتخزين بنسبة 9.3%.
انكماش القطاع الخاص
هذه الأرقام في ظاهرها تشير إلى قدرة أكبر على استيعاب جزء من الداخلين إلى سوق العمل، إلا أن قراءة المؤشرات لا تتوقف عند حدود انخفاض البطالة وزيادة أعداد المشتغلين، ولكن تظل طبيعة الوظائف التي تستوعب هذه الزيادة، ومدى استقرارها، ومستوى الأجور، ومدى تمتع العاملين بالحماية الاجتماعية، أسئلة أساسية عند تقييم التحسن الحقيقي في سوق العمل.. هذا ما أكده د. وائل النحاس الخبير الاقتصادي، مشيرا إلى أن هذا الانخفاض يتكرر للربع الثاني على التوالي ويمثل خطة الدولة المعلنة للتجميل والتسويق الرقمي ، بدليل أن تقرير مؤشر مدير المشتريات الذي يقيس صحة القطاع الخاص ونمو الأعمال،يشير إلى انكماش القطاع الخاص للشهر السابع على التوالي، وهبوطه دون مستوى الـ 50 نقطة ليصل إلى 46. وهذا الانكماش يعد في أسوأ حالاته منذ عام 2022 مما يعني غياب فرص التوظيف الحقيقية في هذا القطاع واستمرار تسريح العمالة وليس العكس.
عقود مؤقتة
وأكد إن الوظائف المعلن عنها والتي تتركز أغلبها في قطاعات مثل الزراعة، والصيد البحري والتشييد والبناء، وهذه القطاعات في جوهرها عمالة غير مستدامة ومؤقتة (أو ما يعرف بالوظائف المعطلة) حيث يلجأ إليها الأفراد كحلول بديلة لغياب الفرص الثابتة، هذه الوظائف تخلو من الغطاء التأميني (التأمين الاجتماعي والتأمين الصحي)، والأجور العادلة التي تتناسب مع موجات التضخم وارتفاع الأسعار المتزايد.
تجميل الواقع
وأوضح د. وائل النحاس أن هناك خلل واضح في منهجية واحتساب أرقام التوظيف حيث يتم احتساب العمالة الموسمية والمؤقتة، بل وحتى أصحاب المشاريع المسجلين تجاريا والمتدربين بدون أجر كأفراد وعاملين بالدولة مؤكدا إن الاعتماد على هذه المخرجات يعطي انطباعا صوريا بتجميل واقع البطالة، وهو ما قد يضلل متخذي القرار وعلى رأسهم البنك المركزي عند تحديد سياسات الفائدة ومواجهة التضخم الناجم عن ضعف العرض وليس زيادة الطلب.
وأشار إلى أن الأرقام المعلنة لا تعكس وفرة في الإنتاجية أو تحسنا في مستوى معيشة المواطن، بل تؤكد أن أغلب الفرص المستحدثة هي مجرد هشاشة وظيفية وعمالة غير مستقرة، في ظل غياب المشروعات التنموية والصناعية الكبرى الكفيلة باستيعاب العمالة الدائمة وخلق استقرار اقتصادي حقيقي.
بطالة موسمية
فيما أوضح الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني أن معيار قياس البطالة لا يعبر عن حقيقة البطالة في مصر وسوق العمل ،لأنه يعتبر أي شخص اشتغل 3 أيام متواصلة في اخر 6 شهور ضمن العاملين ، بالإضافة إلى ذلك هناك نحو 16 مليون مشتغل في القطاع الخاص غير المنظم خارج المنشآت، وهؤلاء العاملون يعانون من البطالة الموسمية.
وأشار الميرغني إلى تقرير النشرة السنوية المجمعة بحث القوى العاملة لعام 2024 والصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الذي يفيد أنه خلال عامي 2023، 2024 فقد 5.9 آلاف وظيفة في قطاع إمدادات الكهرباء والغاز والبخار، و 65 ألف وظيفة في قطاع التشييد والبناء و 25.1 ألف وظيفة في قطاع الإدارة العامة والدفاع والضمان الاجتماعي الإجباري ، ونحو 15.2 ألف وظيفة في قطاع الصحة وانشطة العمل الاجتماعي و 6.2 ألف وظيفة في الخدمة المنزلية الخاصة للأسر . ولذلك كما تمت إضافة وظائف جديدة فقد الآلاف العمال وظائفهم التي كانوا يعملون بها.
غياب العمل اللائق
وتابع: لو رجعنا لنتائج بحث القوى العاملة 2025 نجد أن معايير العمل اللائق ضعيفة في القطاع الخاص، 71% من عمال القطاع الخاص المنظم بلا تأمينات اجتماعية ، 76% بدون تأمين صحي و 70% بدون عقود عمل قانونية أما القطاع الخاص غير المنظم فهناك نحو 92% بدون تأمين اجتماعي و 97% بدون تأمين صحي و98.5% يعملون بدون عقود عمل دائمة ، وفقا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء .
وأوضح أنه لا توجد بيانات معلنة متوفرة عن مساهمة العمل غير الرسمي في توفير الوظائف ولازالت شروط العمل في الريف سيئة وكل يوم نقرأ عن حوادث طرق خلال نقل العمال والعاملات والأطفال ونفس الوضع ينطبق في المدن.
وفيما يخص الفجوة بين النساء والرجال فى التوظيف أوضح أنه من السهل توفير وظائف للنساء ولكنها للأسف وظائف غير مناسبة ولا تراعي ظروف النساء ولا توفر لهم ظروف عمل مناسبة ووسائل كافية للسلامة والصحة المهنية.
وأشار إلى أن قطاعي الزراعة والصناعات التحويلية هي من أكثر القطاعات قدرة على استيعاب النساء وتوفير فرص عمل مناسبة لهن.
وفيما يخص قدرة الريف على خلق فرص عمل، فأوضح أن انخفاض البطالة هناك مرتبط بالعمل الزراعي والعمل غير الرسمي الذي قد لا يوفر دخلا أو استقرارا كافيا مشيرا إلى أنه
يوجد عمل لدى الأسرة بدون أجر لنحو 1.8 مليون ذكر وانثي وشروط وظروف العمل في الريف أكثر قسوة وتفتقر لكل مقومات العمل اللائق ولذلك يصعب أن نفرح لزيادة عدد فرص العمل في الريف ما لم نعرف معايير العمل اللائق ومدى توافرها.
عدم الاستقرار الوظيفي
فيما أكدت الباحثة والحقوقية انتصار بدر ،
تراجع معدلات البطالة لا يعني بالضرورة تجاوز الأزمات الاقتصادية أو معالجة مشكلة تدني الأجور، مشيرة إلى أن تزايد معدلات الفقر تجعل الأسر تعتمد على أكثر من عمل لتوفير احتياجاتها وأغلب هذه الأعمال مؤقتة مثل القطاع الخدمي وهو يعد من القطاعات غير المستدامة ولا يوفر استقراراً وظيفيا على المدى الطويل.
وأشارت إلى أن حتى فى الوظائف داخل المنشآت والشركات هناك إشكاليات تتجسد في ظاهرة الوظائف ذات الطابع المؤقت حيث تسند إلى العاملين مهام ومسؤوليات مستمرة داخل المؤسسات والشركات، لكن ضمن إطار تعاقدي مؤقت لا يتجاوز أحيانا العام أو العامين.
هذا النمط التعاقدي يضع العاملين في حالة دائمة من عدم الاستقرار الوظيفي ، ويعيق بناء مسار مهني متكامل،مشيرة إلى أن عدم الاستقرار والتنقل بين وظيفة وأخرى و بيئات عمل غير مستقرة يفرغان العمل المؤسسي من جوهره، حيث يحرم العامل من فرصة تراكم الخبرات المكتسبة والترقي المهني الطبيعي داخل تخصص محدد.
العقود المؤقتة
وأكدت أن أغلب عقود التشغيل عقود مؤقتة تمنع الموظف من تطوير أدواته الفنية والوصول إلى مستويات متقدمة من الخبرة والتخصص، بالإضافة إلى غياب الأمان الاجتماعي والاقتصادي حيث تسهل هذه العقود التخلص من العمالة دون توفير غطاء تأميني أو مستحقات استقرار ممتدة، ما يجعل الأجر عاجزا عن مواجهة أعباء المعيشة المرتفعة.
وأشارت إلى لجوء بعض الجهات والمؤسسات إلى شركات التوظيف الوسيطة (نظام المقاولة العمالية) وهو ما يجرد العامل من رابطته المباشرة بالمؤسسة، ويحرمه من الحقوق الوظيفية الأساسية والترقية.
وأكدت انتصار بدر إن معالجة هذا الخلل تتطلب مراجعة شاملة لسياسات التشغيل، والحد من الاستخدام المفرط للعقود المؤقتة في الوظائف ذات الطبيعة الدائمة، بما يضمن صون حقوق العمالة ويسهم في بناء كوادر بشرية ذات خبرات حقيقية ومستدامة.
وأكدت أن الفجوة القائمة بين الرجال والنساء في سوق العمل ترجع إلى طبيعة الوظائف المطروحة، مشيرة إلى أن زيادة معدلات التشغيل ليست مؤشرا على تحسّن مستوى معيشة الأفراد فالمعيار في ذلك قيمة الأجور الفعلية مقابل الارتفاع المتواصل في أسعار السلع الغذائية وتكاليف المعيشة والخدمات العلاجية والدوائية.
وأشارت إلى وجود تفاوت في الأجور بين الجنسين، مؤكدة تزايد هذه الأشكالية عند النظر إلى واقع النساء بشكل خاص إذ تقع على عاتق الكثير منهن مسؤولية إعالة أسر بالكامل، بالإضافة إلى الأعداد المتزايدة من خريجات الجامعات والمعاهد اللاتي يصطدمن بغياب فرص العمل المناسبة.
وأوضحت أن أغلب العاملات يعملن في مهن غير منتظمة ويفتقرن لأدنى درجات الاستقرار،وأيضا أغلب الوظائف المتاحة مؤقتة حيث يخوض الفرد دورات عمل مؤقتة تمتد لعدة أشهر ثم يجد نفسه بلا دخل، مما يعوق قدرته على بناء مسار مهني مستقر أو اكتساب خبرات تراكمية تسهم في تطوير مهاراته ورفع دخله على المدى الطويل.

التعليقات متوقفه