شهداء لقمة العيش.. رحلة الموت..حوادث تتكرر وضحايا يتغيرون
سيارات متهالكة تحمل العمال إلى الحقول
طريق العمل تحول إلى طريق للموت.. الدواويس ليست الحادث الاخير
لم يخرجوا في نزهة، ولم يبحثوا عن مغامرة، ولم يكن الطريق بالنسبة إليهم سوى وسيلة للوصول إلى مصدر رزقهم. خرجوا مع ساعات الصباح الأولى يحملون أحلامًا بسيطة: أجر يومي يعودون به إلى أسرهم، وطعامًا يكفي أبناءهم، واحتياجات يحاولون تدبيرها في ظل ضغوط المعيشة.
مأساة جماعية
في حادث الدواويس بالإسماعيلية، تحولت رحلة عشرات العمال إلى مأساة جماعية، بعدما أسفر التصادم عن وفاة 19 شخصًا وإصابة 29 آخرين. وبين الضحايا أشقاء وأطفال لم تتجاوز أعمار بعضهم 10 و13 عامًا، فيما فقدت أسرة واحدة أربعة من أبنائها دفعة واحدة.
المشهد القاسي لم يكن جديدا، وإنما أعاد فتح ملف ظل يتكرر لسنوات: عمال يخرجون بحثًا عن لقمة العيش، فيعود بعضهم إلى قراهم جثثا، ويعود آخرون بإصابات قد تحرمهم من العمل ومصدر الدخل.
الدواويس ليست الأولى
قبل حادث الدواويس بأيام، أصيبت 22 عاملة زراعية في محافظة الشرقية إثر انقلاب سيارة ربع نقل كانت تقلهن على طريق بلبيس–أبو زعبل، وتنوعت الإصابات بين كسور وجروح وكدمات ونزيف بالمخ.
وقبلها شهد الطريق الإقليمي بالمنوفية، في يونيو 2025، مصرع 19 عاملة زراعية في حادث تصادم بين سيارة ميكروباص وأخرى نقل، أثناء توجههن للعمل في مزارع العنب بمدينة السادات.
وفي مايو 2021، أسفر انقلاب سيارة ربع نقل على طريق الصعيد الصحراوي الغربي عن وفاة طفلين وإصابة 21 طفلًا أثناء عودتهم من العمل بإحدى المزارع.
وفي يناير 2022، انقلبت سيارة نقل كانت تقل 23 عاملًا، بينهم أطفال، أثناء عودتهم من مزرعة دواجن بطريق مصر–الإسكندرية الصحراوي، وسقطت السيارة من معدية المناشي إلى فرع رشيد، ما أسفر عن وفاة 8 من ركابها.
وفي أبريل من العام نفسه، لقي 8 أطفال مصرعهم وأصيب آخرون بعد انقلاب تروسيكل كان يقل نحو 14 طفلًا، تراوحت أعمارهم بين 13 و16 عامًا، أثناء عودتهم من العمل في مصنع للبطاطس بمحافظة البحيرة.
وتكررت المأساة في المنوفية عام 2024، عندما غرقت سيارة ميكروباص في الرياح البحيري، ما أسفر عن وفاة 13 فتاة تراوحت أعمارهن بين 13 و17 عامًا أثناء عودتهن من العمل في الحقول.
وخلال أبريل 2025، شهد طريق الصعيد الصحراوي الغربي بمحافظة المنيا حادث تصادم بين سيارة محملة بعمالة زراعية وسيارة نصف نقل، أسفر عن وفاة 8 أشخاص، بينهم أطفال، وإصابة 24 آخرين.
وبعدها بيوم واحد وقع حادث آخر على الطريق نفسه، أسفر عن وفاة عاملتين وإصابة 18 شخصًا إثر انقلاب سيارة نقل خفيف كانت تقل عمالًا.
وفي مارس 2025 بالإسماعيلية، انقلبت سيارة ربع نقل كانت تقل 11 طفلة في طريقهن إلى العمل بإحدى الصوب الزراعية على طريق الإسماعيلية–السويس الصحراوي، وتراوحت أعمار المصابات بين 10 و17 عامًا.
وفي يناير 2026، أصيب 25 عاملًا زراعيًا إثر انقلاب سيارة ربع نقل في وصلة أبو سلطان بمركز فايد أثناء نقلهم إلى العمل، وفي فبراير أصيب 23 عاملًا زراعيًا إثر انقلاب سيارة ربع نقل على طريق مصر–الإسماعيلية الصحراوي.
ثم جاءت واقعة الشرقية، قبل أن يعيد حادث الدواويس القضية إلى الواجهة بقوة.
82 حادثة.. و1133 ضحية
الأرقام تكشف أن الأمر يتجاوز الحوادث الفردية.
فوفقًا لأحد التقارير التي رصدت أوضاع العمالة الزراعية، تم توثيق 82 حادثة نقل خلال الفترة من 28 أبريل 2017 حتى 2 يناير 2025، أسفرت عن وفاة 125 شخصًا وإصابة 988 آخرين.
وتصدرت سيارات الربع نقل قائمة وسائل النقل المستخدمة في هذه الحوادث، بواقع 51 حادثة، تلتها سيارات النقل النصف نقل بـ18 حادثة، ثم الميكروباص بـ6 حوادث.
كما سجل المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ما لا يقل عن 248 ضحية من العاملات والعمال خلال عام واحد، من يوليو 2024 حتى يونيو 2025، بينهم 55 وفاة و193 إصابة.
وراء كل رقم أسرة.
ووراء كل إصابة عامل قد يتوقف عن العمل، وأسرة قد تفقد مصدر دخلها، وطفل قد يفقد أحد والديه، وأم أو زوجة قد تجد نفسها فجأة أمام مسؤوليات لم تكن مستعدة لها.
المشكلة تبدأ قبل الطريق
الحوادث لا تبدأ لحظة اصطدام سيارتين، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير..
تبدأ عندما تصبح سيارة ربع نقل وسيلة معتادة لنقل أعداد كبيرة من العمال، وعندما يتم تحميل العمال في سيارات غير مجهزة، وعندما لا تكون هناك رقابة كافية على المركبات أو السائقين، وعندما تصبح الرحلة اليومية إلى الحقل مخاطرة لا يملك العامل رفضها.
العامل في هذه المنظومة لا يختار السيارة، ولا يحدد السائق، ولا يملك في الغالب قدرة على التفاوض بشأن شروط ..لانه يحتاج إلى أجر اليوم.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لا يجب أن يتوقف عند: من أخطأ في الحادث؟..بل يجب أن يمتد إلى: من سمح بأن تصبح هذه الوسيلة هي الطريق المعتاد لوصول العمال إلى أماكن عملهم؟ ومن يتحمل مسؤولية سلامتهم منذ خروجهم من القرية وحتى عودتهم إليها؟
الطريق جزء من العمل
تقول الناشطة الحقوقية لمياء لطفي، رئيسة مبادرة المرأة الريفية، إن الاهتمام غالبًا ما يتصاعد عندما يسقط عدد كبير من الضحايا في حادث واحد، بينما تمر الحوادث التي تسفر عن إصابات محدودة دون رصد كافٍ، رغم أن الإصابة قد تعني لأسرة فقيرة فقدان مصدر دخلها لأسابيع أو شهور.
وتشير إلى أن وسيلة النقل قد تكون سيارة ربع نقل أو نصف نقل أو ميكروباصًا غير مهيأ لنقل أعداد كبيرة من العمال، بما يجعل الرحلة نفسها جزءًا من المخاطر التي يواجهها العامل.
وترى أن مسؤولية النقل لا ينبغي أن تتحول إلى مسؤولية فردية يتحملها مقاول الأنفار وحده، بينما يختفي صاحب العمل من المشهد.فالعامل لا يملك رفاهية الاختيار، وإنما يقبل بما هو متاح .
ليست حوادث طرق فقط
ما يحدث على الطرق لا يمكن اختزاله في أخطاء قيادة أو أعطال سيارات.
فالمشهد يكشف عن منظومة كاملة من العمل غير المنتظم، والنقل غير الآمن، وضعف الرقابة، وغياب قواعد واضحة للمسؤولية، وصولًا إلى غياب الحماية الاجتماعية الفعلية لكثير من هؤلاء العمال.
ولهذا فإن كل حادث جديد لا يجب أن يغلق بمجرد انتشال الضحايا ونقل المصابين وصرف تعويضات استثنائية.
لأن السؤال سيظل قائما:كم حادث آخر يجب أن يقع حتى تتحول رحلة العامل إلى رحلة آمنة بالفعل؟
فالموت على طريق العمل ليس قدرا محتوما، ولكن نتيجة لمنظومة تحتاج إلى إعادة تنظيم والرقابة عليها ومحاسبة المسؤولين عنها.
والعامل الذي يخرج كل صباح بحثا عن لقمة العيش، من حقه أن يعود إلى أسرته حيا.

التعليقات متوقفه