من المسؤول عن رحلة الموت؟.. القانون وحده لا يحمي عمال الزراعة
مقاول الأنفار في واجهة الاتهام.. وأصحاب المزارع خارج دائرة المساءلة.. وغرامات لا تردع المخالفين
غياب التعويضات الرادعة والغرامات الكبيرة قد يجعل تكلفة المخالفة أقل من تكلفة توفير وسيلة نقل آمنة
شقيقتان تخرجان للعمل مقابل مئة جنيه يوميا لكل منهما، ثم تعود إحداهما لتتسلم جثة الأخرى..أسرة أخرى تفقد أربعة من أبنائها الذين خرجوا بحثا عن العمل فعادوا في أكفان…هذه ليست مجرد قصص إنسانية مؤلمة، وإنما مؤشرات على خلل في منظومة كاملة…
لم يخرج هؤلاء وباقي ضحايا حادث الإسماعيلية إلى الطريق للتنزة أو بحثا عن مغامرة، ولم يكن مقصدهم سوى الحصول على قوت يومهم… نساء وأطفال و عمال بسطاء كان حلمهم العودة بأجر يومي يساعد أسرهم على مواجهة أعباء الحياة، إلا أن رحلة العمل انتهت بمأساة ..
19 شهيدا و29 مصابا في حادث تصادم مروع بمنطقة الدواويس التابعة لمركز القصاصين بمحافظة الإسماعيلية..ينتمي الضحايا إلى محافظة الشرقية من قرية وادي الملاك بمركز أبو حماد، و قرى بحر البقر بمركز الحسينية.
كان بين الضحايا أشقاء وأطفال لم تتجاوز أعمار بعضهم 10 و13 عاما، فيما دفعت أسرة واحدة ثمنا بالغ القسوة بفقدان 4 من أبنائها في هذا الحادث الأليم..
لم يكن حادث الدواويس واقعة منفردة.. فقبلها بأيام أصيبت 22 عاملة زراعية في محافظة الشرقية، إثر انقلاب سيارة ربع نقل كانت تقلهن على طريق بلبيس–أبو زعبل، وتنوعت الإصابات بين كسور وجروح وكدمات ونزيف بالمخ.
حادث الدواويس يعيد إلى الأذهان مأساة الطريق الإقليمي بالمنوفية في يونيو 2025، عندما لقيت 19 عاملة زراعية مصرعهن في حادث تصادم بين سيارة ميكروباص وأخرى نقل، أثناء توجههن للعمل في مزارع العنب بمدينة السادات.
و خلال السنوات الأخيرة، تكررت الوقائع بصورة تكشف أن الأمر يتجاوز الحوادث الفردية.
و في كل مرة تقع فيها كارثة جديدة، تبدأ الأسئلة نفسها: من السائق؟ هل السيارة مرخصة؟ هل كانت هناك مخالفة مرورية؟ ومن كان يقود؟
ثم تهدأ الضجة، تنقل جثامين الضحايا إلى قراهم، ويتلقى المصابون العلاج،و تصرف بعض التعويضات، بينما تظل الحلقة الأهم غائبة: من المسؤول عن منظومة نقل العمال من القرية إلى مكان العمل؟
فالعامل لم يختر السيارة، ولم يحدد عدد الركاب، ولم يتعاقد مع السائق، وفي كثير من الحالات لا تربطه علاقة عمل واضحة بصاحب المزرعة.
بين السائق أو مقاول الأنفار وصاحب العمل والجهات الرقابية، تتوزع المسؤولية، بينما يبقى العامل وحده في مواجهة الخطر…وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل المشكلة في غياب القانون، أم في غياب من ينفذ القانون ويراقب ويحاسب؟
«مقاول الأنفار».. المتهم الدائم
يمثل مقاول الأنفار حلقة الوصل بين العمال وأصحاب المزارع، يجمع العمال من القرى، وينظم انتقالهم إلى أماكن العمل، وفي بعض الحالات يتولى توفير وسيلة النقل، وقد تكون السيارة المستخدمة ربع نقل أو نصف نقل أو ميكروباصًا غير مهيأ لنقل أعداد كبيرة من العمال.
لكن اختزال الأزمة في مقاول الأنفار وحده يظل تبسيط لمشكلة أكثر تعقيدا.
تؤكد الناشطة الحقوقية لمياء لطفي رئيس مبادرة المراه الريفيه،أن مقاول الأنفار ليس المسؤول الوحيد عن الأزمة، مشيرة إلى أنه في كثير من الحالات ينتمي إلى البيئة الفقيرة نفسها، ويستخدم وسيلة النقل ذاتها ويتعرض للخطر نفسه.
لكن المشكلة الأساسية تكمن في نظام تشغيل يسمح بتوزيع المسؤولية بطريقة تجعل صاحب العمل بعيدا عن المساءلة، فصاحب المزرعة يستفيد من العمالة الموسمية والرخيصة، بينما يتحمل العامل ومقاول الأنفار مخاطر الانتقال.
أين صاحب المزرعة؟
السؤال الآن ، إذا كان العامل في طريقه إلى المزرعة من أجل العمل، فمن المسؤول عن سلامته أثناء الرحلة؟
هذه المسألة تصبح أكثر تعقيدا عندما تكون علاقة العامل بصاحب المزرعة غير مباشرة.
فالعمل يتم من خلال وسيط، والأجر قد يدفع للعامل يوميًا، ولا يوجد عقد واضح يحدد المسؤوليات، بينما تكون وسيلة النقل في يد المقاول، ولذلك يصبح صاحب العمل بعيدًا عن المشهد عند وقوع الحادث.
وترى لمياء لطفي أن مسؤولية النقل لا ينبغي أن تتحول إلى مسؤولية فردية يتحملها مقاول الأنفار وحده، مؤكدة ضرورة تحميل أصحاب الأعمال مسؤولياتهم القانونية والمالية.
الغرامة الأرخص
المشكلة لا تتعلق فقط بوجود نصوص قانونية، وإنما بمدى قدرة العقوبات على تغيير سلوك المخالفين.
وتنتقد لمياء لطفي الاعتماد على التعويضات التي تقدمها وزارة التضامن الاجتماعي أو رجال الأعمال بعد وقوع الكارثة، بدلًا من تحميل أصحاب الأعمال مسؤوليتهم القانونية والمالية.
وترى أن غياب التعويضات الرادعة والغرامات الكبيرة قد يجعل تكلفة المخالفة أقل من تكلفة توفير وسيلة نقل آمنة.
وهنا يتحول القانون، بدلًا من أن يكون أداة للوقاية، إلى حساب اقتصادي بسيط:
التعويض ليس حماية
بعد كل حادث كبير، تظهر مشاهد إنسانية مؤلمة: أسر تستقبل جثامين أبنائها، مصابون يحتاجون إلى العلاج، وأطفال فقدوا آباءهم أو أمهاتهم، وتأتي بعدها التعويضات، لكن التعويض، مهما كانت قيمته، لا يعيد حياة من مات،ولا يعوض أسرة فقدت مصدر دخلها،لذلك فإن الحماية الحقيقية تبدأ قبل وقوع الحادث، من خلال منع وقوعه أصلًا، فالسيارة الآمنة أكثر أهمية من التعويض بعد انقلاب السيارة، والرقابة قبل الرحلة أهم من التحقيق بعدها.
القانون موجود.. لكن أين التطبيق؟
يرى الخبير التأميني كامل السيد أن قانون التأمينات والمعاشات رقم 148 لسنة 2019 أدرج بعض فئات العمالة غير المنتظمة، ومنها العاملات المؤقتات في الزراعة، ضمن منظومة التأمينات،لكن التطبيق لا يزال يواجه مشكلات، من بينها ضعف الوعي التأميني، وتعقيد إجراءات الاشتراك، وارتفاع الاشتراكات مقارنة بمستويات الدخول، وصعوبة انتظام العمالة الموسمية في السداد.
كما أن غياب التنظيم المؤسسي يجعل حصر العمال والعاملات وإدماجهم داخل منظومة التأمين أكثر صعوبة.
وتتضاعف المشكلة عندما يعمل الشخص من خلال وسيط أو دون عقد واضح، فلا يكون من السهل إثبات علاقته بالعمل عند وقوع إصابة أو وفاة.
التشريع لا يكفي
تشير لمياء لطفي إلى أن قانون العمل الجديد تضمن نصوصًا تتعلق بتشغيل النساء والعمالة الزراعية، لكن التحدي الحقيقي يكمن في القرارات والآليات التنفيذية والرقابة الميدانية، فوجود النص القانوني لا يعني بالضرورة وصول الحماية إلى العاملة الموجودة في الحقل.
وإذا لم يكن هناك مفتشون، ولا رقابة على مواقع العمل، ولا حصر للعمالة، ولا متابعة للمركبات التي تنقلهم، فإن النصوص تظل عاجزة عن منع الحوادث.
ويرى الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني أن هناك مجموعة من الإجراءات العاجلة التي يمكن أن تحد من تكرار هذه الحوادث، في مقدمتها تشديد الرقابة على الطرق ووسائل نقل العمال، والتأكد من السلامة الفنية للمركبات والسائقين، ومعالجة العيوب الفنية التي تزيد معدلات الحوادث.
كما يدعو إلى تشديد الرقابة على عمالة الأطفال في جميع القطاعات، وزيادة أعداد مفتشي وزارة العمل، وتكثيف الحملات على مواقع العمل الزراعية، والتأكد من توفير شروط السلامة في رحلتي الذهاب والعودة.
تنظيم «عمال التراحيل»
و يرى المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أن غياب الإحصاءات الرسمية الدقيقة عن هذه الفئة يعرقل التعامل مع المشكلة، ولهذا يطرح المركز إنشاء مكاتب محلية لحصر وتنظيم عمال التراحيل، والرقابة على وسائل نقلهم، وضمان حصولهم على أجر عادل، وتفعيل التفتيش على مواقع العمل، وإطلاق برامج حماية صحية واجتماعية متكاملة.
الحل ليس جهة واحدة
وأكدت لمياء لطفي أن الحل يحتاج إلى منظومة متكاملة تضم الدولة والنقابات والمجتمع المدني وأصحاب الأعمال.
وتطرح عدة مسارات، أبرزها تنظيم العمالة الزراعية غير المنتظمة، وإلزام أصحاب المزارع بتوفير وسائل نقل آمنة، وتفعيل دور النقابات، وتوفير خدمات حقيقية للعاملات، وتطوير آليات حماية الأطفال، وإشراك المجتمع المدني في التوعية والرصد والدفاع عن حقوق العمال.
فيما تدعو الدكتورة هدى زكريا أستاذ علم الاجتماع إلى ضرورة وصول منظمات المجتمع المدني إلى النساء في القرى والمزارع، ومساعدتهن على معرفة حقوقهن والوصول إليها، مؤكدة أن كثيرًا من النساء الفقيرات لا يملكن القدرة على المطالبة بحقوقهن.

التعليقات متوقفه