رأى دبلوماسى: زيارة جاءت فى موعدها
السفير حسين هريدي
قام وزير الخارجية المصرية بزيارة رسمية للبنان، التقى خلالها بالقيادات السياسية اللبنانية وعدد من الرموز السياسية فى لبنان، أكد خلالها أن مصر تقف على مسافة واحدة من سائر الأحزاب والقوى السياسية هناك.
منذ عدة عقود مضت وقبل التوقيع على معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية فى عام 1979 كان لمصر حضور ودور وتاثير فى المعادلة السياسية اللبنانية، وكان التاثير الثقافى والفكرى لمصر والتفاعل الثقافى بين اللبنانيين والمصريين مشهودًا ومعترفا به. و كان كل ذلك محل اعتزاز وتقدير بين الشعبين المصرى واللبنانى. لكن انكفاء مصر على نفسها بعد 1979 وابتعادها كرهًا أم طواعية عن الانخراط فى الشأن العربى والتفاعلات السياسية فى الشرق الأوسط، أدى إلى انحسار الدور المصرى التاريخى فى السياسة اللبنانية. وتزامن توقيت هذا التراجع فى الدور مع قيام الثورة الايرانية، ومع صعود ظاهرة الطائفية فى المشهد السياسى العربى.
ولبنان بحكم الديموجرافيا، كان من أكثر الدول العربية تأثرًا بالطائفية، التى اضحت عاملا مؤثرًا فى صياغة السياسة الخارجية للبنان مع القوى العربية والاقليمية عدا مصر. ومن تداعيات غلبة الطائفية على الاصطفاف السياسى فى لبنان اختفاء القدرة على التوصل لحلول وسط لصالح الوطن، وأصبحت السياسة فى لبنان سياسة شبه صفرية، الهدف منها ليس إصلاح الوطن، وإنما حرمان الخصم من أحراز مكاسب سياسية، وفقدت الطبقة السياسية اللبنانية بذلك القدرة على التوصل الى تفاهمات سياسية تحفظ الوطن وتحفظ الطائفة فى آن واحد: وواقع الأمر أن بعض القوى العربية والاقليمية شجعت على ذلك وعمقت الخلاف الطائفى لدرجة ان القوى السياسية اللبنانية لم تنجح حتى الان فى الاتفاق على شخص رئيس الجمهورية الذى كان يجب ان يخلف”العماد ميشيل سلمان” بعد انتهاء ولايته فى شهر مايو2014.
وعدم القدرة على اختيار خليفة للعماد سليمان هو اكبر دليل وإدانة فى ذات الوقت للتأثير السلبى للتدخلات العربية والاقليمية فى الشأن اللبنانى. ومع غياب البعد القومى فى المشهد السياسى اللبنانى تفاقم تأثير الطائفية، وتعمق تأثير التدخلات العربية والاقليمية.
عودة مصر الى لبنان تفتح مجالاً، ولو ضئيلا فى هذه المرحلة، لترسيخ الوجود المصرى ببعده القومى فى لبنان.غنى عن القول إن الامل معقود على أن تكون زيارة وزير الخارجية المصرية لبيروت هى نقطة الانطلاق لانخراط مصر فى التفاعلات السياسية الشرق أوسطية من جانب والتفاعلات العربية من جانب اخر، والا فالزيارة ستعتبر مراسمية اكثر منها رسالة سياسية للداخل اللبنانى والى كل القوى العربية والاقليمية والدولية التى حولت لبنان للأسف الى ساحة لمواجهات سياسية عنيفة ادت الى شلل شبه تام فى عمل المؤسسات السياسية اللبنانية.
ومما لا شك فيه ان عودة مصر بقوة إلى المشهد اللبنانى ستضفى توازنًا مطلوبا، طال غيابه، فى المعادلة السياسية فى لبنان. وربما يفسر ذلك الترحيب الكبير بالزيارة من سائر الرموز والقوى السياسية فى لبنان.
واخيرا وليس بآخر أود التأكيد على أن مصر تعتبر حزب الله مكونًا اساسيًا فى الحياة السياسية اللبنانية، ولا أحد يستطيع أن يتجاهل حقيقتين أساسيتين فى المشهد اللبنانى. الأول أن الحزب ممثل فى مجلس الوزراء اللبنانى، والحقيقة الثانية انه قوة سياسية ينبغى التعامل معها، ناهيك عن القول انه من قوى المقاومة العربية للتوسيعية والعدوانية الاسرائيلية: ومن هذا المنظور تحديدا ليس من مصلحة مصر الابتعاد عنه أو عدم التواصل معه.

التعليقات متوقفه