لقطات
“العَزُول” في أغانينا العاطفية
جودة عبد الخالق
كثيرا ما أمعن التفكير في أغانينا العاطفية، أو أغانى الحب عندنا. أفعل ذلك لأكثر من سبب. فالحب هو أرقى العواطف لدى الإنسان، كونه يتضمن قدرا هائلا من العطاء و الإيثار و التضحية. و كل هذه نوازع إيجابية. و الحب يفجر طاقات هائلة تصبح سلاحا ذا حدين: فإما أن تدفع الإنسان إلى أعلى عليين، أو أن تهوى به إلى أسفل سافلين. و من واقع المتابعة الدقيقة لأغانينا العاطفية، لفت انتباهى ظاهرة “العزول” و “المكتوب”. كثير جدا من أغانينا تجد فيها تيمة العزول هذه. القائمة أطول من أن تحصى، لكن نأخذ بعض الأمثلة. (يا عوازل فلفلوا .. ما قاللى و قلتلو)- فريد الأطرش. (كِدْنا العوازل يا حبايب)- محرم فؤاد. و منذ 15 قرنا، قال قيس بن الملوّح في محبوبته و ابنة عمومته ليلى العامرية ( وعاذِلِةٌ تُقَطِّعُني مَلاماً … وفي زَجْرِ العَواِذلِ لي بلاءُ).
المدهش أن أغانينا العاطفية تكاد تنفرد بين أغانى شعوب العالم بظاهرة “العزول”! دعونا نتأمل معًا مغزى هذه الظاهرة بالنسبة لما يمكن تسميته “هندسة علاقة الحب”. إن معنى وجود العزول في أغانينا هو أن علاقة الحب لا تقتصر فقط على طرفيها: الحبيب و المحبوب، بل يدخل فيها أيضا طرف ثالث هو العزول. لاحظ أن هذا الطرف الثالث، طبقا لمنطق أغانينا العاطفية، يقف دائمًا متربصًا بالمُحِبَّيْن و يسعى لإفساد الجو بينهما و إفشال علاقة الحب! إذن فالحب عندنا علاقة ثلاثية: الحبيب والمحبوب و”العزول”. أما عند باقى خلق الله، فالحب علاقة ثنائية تقتصر على الحبيب و المحبوب فقط. و لا شأن لأحد غيرهما بما يجرى بينهما. عندنا، الحب شأن اجتماعى بامتياز. وعند غيرنا، الحب مسألة شخصية مطلقة. و هذا فرق هائل بيننا و بين غيرنا.
و قد يتساءل القارئ بحق: و ما أهمية ذلك؟ في رأيى أن هذا الفرق مهم للغاية، بل خطير. فالتسليم بوجود العزول في طريق الحبيب و المحبوب يخلق حالة نفسية تجعلهما أكثر إستعدادا لتقبل فشل علاقتهما. وهو بذلك يخلق لدى المحب مبررا جاهزا للفشل فلا يسعى إلى بذل الجهد بما يكفى للفوز بمن يحب. و الواقع أن الأمر لا يقف عند مسائل العاطفة و الحب و ما يجرى جريهما. فشيوع ظاهرتي “العزول” و”المكتوب” تكرسان نزعة غيبية تحكم النظرة إلى مختلف جوانب الحياة. بذلك تَقْعُد الهمة وتَفْتُر العزيمة، و يتحول الناس طواعية إلى مفعول بهم بدلا من أن يكونوا فاعلين. و في نهاية المطاف، نجد شعبا خانعا، أقرب إلى الرعايا منه إلى المواطنين.
ويزيد الطين بلة أن هذه النزعة الغيبية تتغذى على رافد مصدره التدين الشكلى و التفكير السلفى، الذى انتشر في مجتمعنا في السنوات الأربعين الأخيرة انتشار النار في الهشيم. و لا يخفى على أحد هذا الانشداد المريع إلى الماضى و شيوع نزعة التواكل السلبى بدلا من التوكل الواعى، واختزال الممارسات الدينية في الجانب الشكلى (مثل طول الجلباب و اللحية و شكل الحجاب و النقاب)، والنزعة الفردية الصارخة. و كل ذلك مع إهمال الجانب المتعلق بالعمل و الإنجاز إعمار الأرض و إرتياد آفاق و تغيير الواقع. و بلغة الاقتصاد، مثل هذه البيئة الثقافية تخلق الفرد المستهلك وليس الإنسان المنتج. و كل ذلك تكريس لثقافة العجز والتبعية. وبناء عليه، أخاطب كل من يعنيه الأمر: أقول فلنراجع مفردات ثقافتنا في الغناء و في التدين الشكلى والتفكير السلفى والغيبى قبل فوات الاوان.
**سؤال اليوم: بمناسبة بدء الدراسة في مدارس مكتظة و تصريحات رئيس الجمهورية حول القصور الرئاسية في مؤتمر الشباب أتساءل- أيهما أفضل لبناء مصر الجديدة، نبنى قصورًا رئاسية ولاَّ نبنى فصولًا دراسية؟ هل من مجيب؟

طبعا بناء مدارس افضل من أى شئ