لطالما كانت الأحداث الكبرى في المجتمعات البشرية فرصة عظيمة لتحليل التغيرات ومنطَقَتِها وفقاً للأفكار والنظريات العلمية وخاصة المعنِي منها بتطور المجتمعات ،كما أن النظرة الشمولية لـ ” المفكر ” الذي يستخدم أحد أعظم الآليات تأثيراً ومنطقاً وهي التفكير النقدي تجعل منه قديساً للوعي والمعرفة في ظل تلك المتغيرات الكبرى التي تصيبنا بنوبات من القلق نتيجة لتسارع الأحداث وتناقضها وغياب المعلومات أو الإفراط في توافرها .
فالتأثيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية الناتجة عن أزمة وباء كورونا تُذكرني بما بعد 25 يناير 2011 في مصر ،حيث ترك مفكري الأمة الحديث عن التحليل العلمي للأحداث وتفسيرها وانخرطوا في العمل الجماهيري والسياسي فمنهم من انشغل بتأسيس حزب سياسي ومنهم من بحث عن فرصة لعضوية البرلمان وبعضهم قرر أن يحمل علم مصر وينزل ” الشارع ” للمساهمة في حملات التنظيف ودهان الأرصفة ،متناسين ومتجاهلين أن دور المفكر ـ المُنظر ـ في تحليل الأزمات الكبرى وفقاً لمعطيات وطنية وتاريخية وعلمية هو أمر هام في تحديد البوصلة ليس فقط للدولة والسياسيين بل لأفراد المجتمع ،
وبعيداً عن التنظير والتحليل المنتظرين لآثار وباء كورونا ،فالمؤكد أن هذه الأزمة قد فرضت إضافة معطيات وتحديات جديدة لكيفية مواجهة ” الدولة ” للأزمات الغير تقليدية التي يتوقع تزايدها خلال السنوات القادمة ،فلم يعد الوضع الاقتصادي للدول ولا معدلات النمو ولا دولارات السياحة ولا حتى تصنيفها الأممي ـ من قبل منظمات تُمولها شركات احتكارية ـ هو المؤشر علي بقاء قوة الدول ونجاحها في مواجهة الكوارث العالمية ،ولم تعد الهيمنة العسكرية تُقاس بانتشار الجنود عبر البحار والمحيطات ،ولن تُجدي القواعد العسكرية الأجنبية والميليشيات المحمولة جواً نفعاً لبسط النفوذ علي مقدرات الدول ونهب ثرواتها ،ولم يعد فيتو مجلس الأمن ميزة نسبية حاسمة لصالح الدول الخمس دائمة العضوية .
المعادلة تغيرت بفعل آثار التقسيم العالمي المرتقب ،وظهر ” مُركب جديد ” في معادلة القوي الدولية وهو ” الدولة الوطنية ” بمفهومها السيادي علي حدودها ومؤسساتها والحفاظ علي نفوذها الإقليمي والدولي وفقاً لمعطيات أمنها القومي ،وهي النموذج الوحيد القادر علي تجاوز الأزمة دون التخلي عن سيادتها واستقلال قرارها الوطني والتحرر من براثن مخطط ما بعد كورونا ،الذي ستتحور فيه القوي الاستعمارية لشكل جديد وتعيد توزيع وترتيب أدوار السطو فيما بينها لكنها حتماً ستكون أكثر وحشية مما قبل أزمة كورونا ،ولن يكون هناك عائق أمام حالة النهب القادمة لثروات الشعوب خاصة في محيطنا العربي والإقليمي إلا بنموذج الدولة الوطنية ـ الذي تتبناه مصر منذ 2014 وهو أساس تحديد موقفها لدعم الدولة الوطنية في سوريا وليبيا والعراق ،وكان كلمة السر في مواجهة وإفشال مخطط ذات القوي لتقسيم الشرق الأوسط الذي استهدف استنزاف ثرواته وموارده من خلال تحويل المنطقة لصراعات طائفية للمساهمة في حل الأزمة الاقتصادية العالمية التي بدأت في 2008 ـ وسيكون هو ذاته النموذج القادر علي مواجهة أكذوبة الدولة الحارسة التي تُحْكَم بمنطق ” زعيم العصابة ” ومهمتها الجباية للحفاظ علي شكل الدولة وتسليح جنودها وتسريحهم عبر المياه الدولية لحماية مصالح الشركات الرأسمالية التي يمتلكها ” لوبي ” الاحتكارات وصناع القرار .
والسؤال هنا .. هل تنجح مصر في مجابهة مخطط نهب ثروات المنطقة في سيناريو ما بعد كورونا والدفاع عن مصالحها الاقتصادية والإستراتيجية في شرق المتوسط والأزمة الليبية وأزمة سد النهضة ،خاصة وأن هناك تعارض مصالح في الملفات الثلاث ليس مع أطرافها المباشرة، بل تعارض مع مصالح روسيا وأمريكا في ملفي ( شرق المتوسط ، ليبيا ) ،وتعارض مع الصين في ملف سد النهضة ؟؟؟
وبمتابعة إدارة الدولة المصرية لملف أزمة سد النهضة منذ 15 يناير الماضي الذي اختتم فيه وزراء الخارجية والري بمصر وأثيوبيا اجتماعهم برئاسة وزير الخزانة الأمريكية وهو اليوم ذاته الذي شهد افتتاح قاعدة برنيس العسكرية واختتام فعاليات المناورة العسكرية ” قادر 2020 ” ،مروراً بالعديد من الأحداث والوقائع خلال شهري فبراير ومارس الماضيين والتي قدمت خلالهما الخارجية المصرية نموذجاً في كيفية إدارة العلاقات الدبلوماسية في ملف شديد التعقيد ومرتبط بمصالح دول الفيتو التي تستخدم إثيوبيا كورقة ضغط علي مصر للحد من ازدياد نفوذها الإقليمي في القارة الإفريقية وشرق وجنوب المتوسط ، وانتهاءً بنتائج الاجتماع الذي عُقد في ٢١ مايو الماضي بين رئيسي الوزراء السوداني والإثيوبي والاتفاق على عودة الأطراف الثلاثة لطاولة المفاوضات بشأن قواعد ملء وتشغيل السد ،والذي لم يأتي مفاجئاً حيث سبقه اجتماع بين رئيسي الوزراء المصري والسوداني بحضور وزراء الخارجية والري ورئيسي جهازي المخابرات يوم 19 مايو عبر الفيديو كونفراس ،وتم الاتفاق علي أن يتولي رئيس الوزراء السواداني دعوة نظيره الإثيوبي للعودة للمفاوضات ،
كل هذه يجعلنا نؤكد علي أن إدارة مصر لملف العلاقات الخارجية منذ 2014 مروراً بملف أزمة ( سد النهضة ، ليبيا ، شرق المتوسط ) انتهاءً بأزمة وباء كورونا ،ربما تساهم بشكل كبير في تشكيل تحالف دولي يدافع عن ثرواته لصالح شعوبه في مواجهة تنين الرأسمالية المنتظر .
*بقلم أمين شباب حزب التجمع محمود الدسوقي

التعليقات متوقفه