ضد التيار
الرهان الخاسر للتيار المدنى التونسى
أمينة النقاش
مصر ملهمة، حتى فى خيباتها . فى السنوات الأخيرة لنظام الرئيس مبارك و مع بدء النشاط العلنى لجماعة الإخوان فى الساحة السياسية ، وفوزهم فى الانتخابات النيابية ، وفرض سيطرتهم على النقابات المهنية ومنظمات المجتمع المدنى ، روج قطاع كبير من التيار المدنى، يضم حزبيين ومستقلين من الاشتراكيين والقوميين والناصريين واللبيراليين ، لأكذوبة أن مبارك يستخدم جماعة الإخوان كفزاعة لرفض الإصلاحات الديمقراطية ولتعزيز استبداد حكمه . ووقف حزب التجمع وحيدا لمناهضة تلك الأكذوبة .
وما أن سقط نظام مبارك ، ولاح فى الأفق أن الإخوان قادمون بسرعة الصاروخ لاعتلاء السلطة ، وأنهم لم يكونوا فزاعة ، بل حقيقة تشق طريقها بدعم دولى كتنظيم سري مسلح بالمال و بإرث ماض سحيق ، ومثقل بنهم لاحدود لسقفه ، لحكم أكبر دولة فى المنطقة ، حتى ارتمى بانتهازية صاخبة ، ممثلون من بين تلك التيارات فى أحضانهم . بعضهم عمل متحدثا باسم حزب الحرية والعدالة ، الغطاء السياسى لمكتب الإرشاد ، دون أن يجد فى ذلك تعارضا مع ليبراليته او يساريته . أخرون من بينهم ترشحوا على القوائم الانتخابية لحزب الجماعة .فعلوا ذلك وهم يتمترسون خلف حجج هشة ، ترفع شعارات زاعقة عن الديمقراطية وتداول السلطة وحقوق الإنسان .
وحين انحصر الاختيار فى الانتخابات الرئاسية لعام 2012بين مرشح جماعة الإخوان الدكتور محمد مرسى ، وبين الفريق “احمد شفيق”، اجتمع هؤلاء فى فندق فرمونت الشهير ليعلنوا تأييدهم لمرشح الجماعة ، بعد أن اكرهتهم الظروف فعصروا على أنفسهم الليمون كما قالوا ، للسير قدما نحو تأييده .
اكتشف المصريون فى أقل من عام ، أن دولة الإخوان تسير بهم نحو طريق مسدود فخرجوا إلى الشوارع فى 30 يونيو 2013مطالبين بانهاء دولة المرشد التى يجرى على قدم وساق أخونتها لتغيير هوية بلدهم الراسخة منذ نحو قرنين ، كدولة مدنية حديثة . وما أن سقط الإخوان حتى بدأت آلاعيب هواة السياسة والتقلب فى كل المواقف من التيار المدنى . فتشكلت تحالفات دعم الشرعية ، وقضاة من أجل مصر ، ومواطنون ضد الإنقلاب ، وجميعهم يبدأون الحديث وينهونه بالقول “إحنا مش إخوان ” نحن ندافع عن عودة المسار الديمقراطى لثورة يناير، وهو كلام كبير يبدو مغريا لمن يهوون الطنطنة الجوفاء ، لكن جوهره الحقيقى هو إعادة حكم الجماعة إلى السلطة .
شىء من كل ذلك وبنفس اللغة واالمفردات الفخمة والأسماء اللامعة الدوى ، يحدث الآن فى تونس .ألم اقل لكم أن مصر ملهمة ؟
وعقب الاجراءات التى اتخذها الرئيس التونسى “قيس سعيد”منذ يوليو الماضى وحتى قبل أيام قليلة ، لإنهاء عقد من الفوضى الشاملة التى أشاعتها حركة النهضة الإخوانية فى البلاد وأوصلتها لمراكمة الديون ووقف الانتاج وزيادة معدلات البطالة ونشر فساد عميم فى مفاصل مؤسسات الدولة ، والملهاة تتكرر، بنفس السيناريو . لماذا ؟ لأن المخرج واحد هم إخوان تونس .
حل “سعيد” البرلمان وأقال الحكومة وحل المجلس الأعلى للقضاء، وعزل 57 قاضيا لاتهامهم بالفساد والتستر على ممارسى الإرهاب، والتواطؤ لمنع ملاحقة قضية الجهاز السرى المسلح لحركة النهضة ووقف التحقيقات فى اغتيال المعارضين ، والغى هيئة مراقبة دستورية القوانين ، فبدأت التحالفات الشكلية بين قوى متناقضة ، تشكلها حركة النهضة بواجهات مدنية لمعارضة التوجه الرئاسى نحو الديكتاتورية . وتشكلت جبهة الخلاص الوطنى المعارضة و مواطنون ضد الانقلاب، وقضاة من أجل الاستقلال ورفض مذبحة القضاة ، وغير ذلك من منصات تشكل ذراعا مدنيا يساريا لحركة النهضة ، بهدف مخاطبة القوى الخارجية الداعمة للإخوان ، رغم افتقادها لأى قدر كاف من المصداقية وسط جماهير غفيرة ، غير مسيسة ، وتئن مما ألت إليه أحوالها الاقتصادية والاجتماعية ، وهى تدعم ولو بالصمت، الاجراءات التصحيحية التى يقودها رئيس الجمهورية، والدليل أن المظاهرات التى تدعو إليها تلك المنصات لايتجاوز عدد المشاركين فيها العشرات .
رهان خاسر لا محالة مهما طال أجله ، لبعض القوى المدنية والأحزاب اليسارية والاتحاد العام للشغل، التى تظن أن رفض المشاركة فى الحوار الوطنى لتغيير الدستور، والدعوة للتظاهر لرفع الأجور ، ومعارضة اتفاق الحكومة لنيل قرض من الصندوق الدولى ، سوف تعرقل خطة الرئاسة من أجل صياعة دستور جديد لجمهورية رئاسية ، تتصدر ديمقراطيتان دوليتان نماذجها المستقرة فى الغرب الليبرالى هما فرنسا والولايات المتحدة .لقد ارتضت تلك القوى المغامرة لنفسها أن تكون ألعوبة فى يد حركة النهضة، وهى تلوك ثرثرتها حول رفض الديكتاتورية والدفاع عن الديمقراطية ،وكأن تفكك مؤسسات الدولة فى ظل حكم النهضة المهيمن وانتشار الإرهاب ، والدخول فى تحالفات اقليمية على حساب المصالح الوطنية ، يمت لأدنى قواعد ديمقراطية بصلة .
سوف يجرى الاستفتاء على الدستور الجديد فى موعده فى 25 يوليو القادم، وسوف يحقق البرنامج الدءوب للرئيس سعيد أهدافه لإنقاذ تونس من براثن جماعات هوجاء فوضوية لا تحفل سوى بإعلاء مصالحها الخاصة الضيقة المغلفة بأكذيب ثورية وديمقراطية ، على حساب تونس وشعبها. و على تلك القوى قراءة دروس التاريخ بدقة ، وهى تعلمنا أن الرهان على القوى الخارجية لإحداث تغييرات داخلية هو رهان فاشل وخاسر، ومأله الوحيد فقدان المصداقية والسير نحو الانتحار الأدبى والمعنوى.
حمى الله تونس وشعبها من كل الشرور.

التعليقات متوقفه