ضد التيار
إحياء دور الثقافة الجماهيرية
أمينة النقاش.
البروتوكول الذي وقعته وزيرة الثقافة الدكتورة نيفين الكيلاني مع الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية ، لإدارة وتشغيل مشروع سينما الشعب ، الذي أعلنته هيئة قصور الثقافة ، لعرض الأفلام السينمائية في قصورها التي تبلغ نحو 580 قصرا في مختلف محافظات الجمهورية ، يكتسب أهميته القصوى من أكثر من زاوية . بينها الارتفاع الكبير في سعر تذكرة السينما التي بات ثمنها يتراوح هذه الأيام بين 50 جنيها و۱۲۰جنيها .وأهم من ذلك ما يؤشر إليه هذا الخبر أن”الثقافة الجماهيرية ” سوف تكون بندا مهما في أولويات عمل وزيرة الثقافة الجديدة ، بما يقود إلى تحقيق الهدف الأصيل لهذه الهيئة العملاقة ،التي اضاءت ظلام قرى الريف المصرى ، في الستينيات من القرن الماضي ، بالفنون الراقية ، لتصل إلى ما كان يصبو اليه مؤسسها الدكتور ثروت عكاشة من هدف بنائي عظيم ، ألا وهو تحقيق العدالة الثقافية كجزء لا يتجزأ من قضية العدالة الاجتماعية، التي اتخذتها ثورة ٢٣ يوليو هدفا أساسيا من أهدافها
أدرك الزعيم ” جمال عبد الناصر” منذ اليوم الأول، أن سلطة ثورة يوليو الجديدة ، لن يكون بمقدورها ، إحداث تغييرات جذرية في المجتمع المصرى ، دون رؤية ثقافية واضحة محددة الملامح ، ترتقي بوعي المجتمع ، وتبشر بأهداف النظام الجمهوري الوليد ، وتساهم في بناء تطوره وتقدمه .
و في كتابه ” مذكراتي في السياسة والثقافة” يؤكد الدكتور ثروت عكاشه ،أن جمال عبد الناصر كان هو صاحب فكرة انشاء قصور للثقافة في عواصم محافظات الجمهورية . ويروي أنه حين ولاه وزارة الثقافة للمرة الأولى عام ١٩٥٨ قال له انه يريد أن تصبح الثقافة والفنون الراقية في متناول الجماهير العريضة ، لتصل إلى القرى والكفور والنجوع المحرومة منها . كان ذلك في سياق رؤية عبدالناصر الثاقبة ، التي انطلقت من فكرة صالحة لكل مكان وزمان ، عبر عنها بأن بناء آلاف المصانع أمر يهون بجانب السعى لبناء الإنسان .وبطبيعة الحال فإن بناء الإنسان المتعلم الذي يتحلى بالوعي لا يستقيم دون التثقيف الذي هو جهد الفرد الذاتي في المقام الأول ، لكن الارتقاء بذوقه الفني والمعرفي وتنمية وعيه ، وتمتين انتمائه الوطني، وتشكيل التوجهات الأخلاقية لسلوكه هي نتاج الواقع الاجتماعي الذي يسعي بدأب لتوفير المناخ الثقافي الذي ينشد تحقيق ذلك, ويعتبر الثقافة خدمة لا سلعة لم يعد لها هم سوي تحصيل الربح المادي.
ولأن الثقافة يجب أن تكون خدمة لا سلعة وربما يكون من غير الملائم أن توافق الوزيرة في اتفاقها مع الشركة المتحدة أن تكون تذكرة سينما الشعب في القري 20 جنيها, ومعروف أن الأسر في الريف ممتدة وكبيرة العدد, بما يجعل سعر تلك التذكرة عبئا عليها, ويفقد الهدف النبيل وراء ذلك القرار الهام جدواه.
أرسي بناءان عظيمان هما سعد كامل وسعد الدين وهبة حين توليا تباعا في ستينيات القرن العشرين مسئولية رئاسة جهاز الثقافة الجماهيرية, قواعد نهضته وفاعليته أدواره, فصدر للعمل في قصور الثقافة في عواصم المحافظات كوادر ثقافية من فنانين تشكيليين وكتاب مسرحيين وأدباء ومثقفين، بإدارتها , وتدريب الكوادر المحلية، واتاحة الفرصة للتدريب وتنمية المواهب، بفتح قاعات معارض الفنون التشكيلية والموسيقية والمسرحية والسينمائية أمامها لتذوق كل ألوان تلك الفنون ، وإكساب تلك المواهب الجديدة خبرة تراكمية لتكتشف مدى وحدة تلك الفنون، وتأثرها بعضها بالبعض الآخر, فضلا عن رعايتها بالتدريب المتواصل. ولعبت القوافل الثقافية التي تشكلت لتجوب قرى الريف المصرى دورا ملهما لابنائه فضلا عن إرسال بعثات تدريبية إلى الخارج لتكوين الكوادر الثقافية في مجالات دراسة أدب الطفل والخدمات المكتبية والفنون الشعبية .
بقيت الثقافة الجماهرية حتى منتصف السبعينيات الماضية قلعة تضئ قرى الريف المصرى بالعلم والثقافة والمعرفة، وورشة عمل دؤوبة للكشف عن مواهب أبنائه ورعايتها، وجمع تراثها الشعبي ، من سير إلى الحرف اليدوية التراثية ، والأغاني والمواويل الشعبية وغيرها من فنونه. بقيت كذلك تنفيذا لحلم ثورة يوليو بتحقيق العدالة الثقافية التي تؤمن أن الثقافة خدمة لا سلعة ، حتى أطلق نظام الرئيس السادات مارد جماعة الإخوان والحركات السلفية من القمقم، ليغزو قصور الثقافة في كل مكان ، ويحولها ، كما فعل في المساجد والزوايا ،إلى مقار لنشر التطرف وإشاعة الفتن الطائفية ، والعبث بالهوية المصرية ، تحت أوهام استعادة الخلافة الإسلامية ، وهي كارثة لم تتمكن مصر من التعافى منها حتى الآن .
ولو أن وزيرة الثقافة أولت اهتماما مضاعفا بإعادة الثقافة الجماهيرية لعصرها الذهبي ، مستعينة بذلك بكفاءات كثيرة مخلصة ، تمتلئ بها دواوين الهيئة ، وخارجها فإن حديثنا المتكرر عن إصلاح الفكر الديني وإعادة بناء الهوية المصرية ، وتحقيق العدالة الثقافية ، تكون قد تحققت ونقلت البلاد خطوة بل خطوات للتغيير والاصلاح والعبور نحو المستقبل .
قلوبنا معك سيادة الوزيرة في تلك المهمة الشاقة غير المستحيلة ، وأعانك الله على إنجازها، فهي تستحق كل عناء.
أمينة

التعليقات متوقفه