التجربة الاقتصادية في السودان مع صندوق النقد والبنك الدوليين
*بقلم سليمان حامد الحاج
قرأت في صحيفة الأهالي الغراء, العدد 2087 الصادر في 2 نوفمبر 2022 مقالا يعالج قضية علي درجة كبيرة من الاهمية لمساسها بالقوت اليومي للشعب المصري العظيم ومصير الاقتصاد بل اكثر من ذلك تمس مستقبل نظام الحكم في مصر.
عبر المقال عن رفض الاتفاق مع صندوق النقد الدولي, ولم يكن رفضا سالبا, بل طالب بوضع خطة واضحة لاعادة هيكلة الاقتصاد ووضع حد للدين الواعي, ووضع الاطار العام لمفردات تلك الخطة ومن بينها وضع حد لاستمرار سياسة الاقتراض وزيادة الضغط علي المواطنين.
إنني مواصلة للنضال التاريخي المشترك بين الشعبين المصري والسوداني, أساهم في هذا المقال بتجربة الاقتصاد السوداني وتعامله مع صندوق النقد والبنك الدوليين والتي قادت عبر سنوات طوال منذ بداية الستينيات وحتي يومنا هذا الى كارثة انهيار الاقتصاد في بلادنا.
في السنوات الثلاث الاولي التي اعقبت استقلال السودان وتحوره من الاستعمار البريطاني كان الجنيه (الواحد) يساوي 2.5 دولار. الان وفي العام 2022 فإن قيمة الدولار تبلغ 580 جنيها سودانيا. وبلغ العجز في الميزان التجاري 3.3 مليار دولار خلال الفترة يناير – سبتمبر 2022 وهو عجز غير مسبوق في تاريخ السودان القديم والحديث وبلغ التضخم ثلاثة أرقام، بل وصل في 12-1-2021 إلى 269% مع ركود في التصدير للمنتجات السودانية التي تشهد عجزا كبيرا في الانتاج في معظم المحاصيل السودانية التي كانت عاملا أساسيا في ايراد العملات الأجنبية.
لماذا يحدث كل ذلك؟
لعب البنك وصندوق النقد الدوليين دورا أساسيا في الكوارث التي يشهدها الاقتصاد السوداني الى جانب العوامل الأخرى والتي ستأتي الي ذكرها.
الشروط التي فرضها البنك والصندوق تتمثل في الآتي والتي بدون تنفيذها لا يمنحنان قروضا ميسرة أو غير ميسرة, وهي:
خصخصة مرافق الدولة وتمليكها للقطاع الخاص, فتح الحدود أمام التجارة الدولية, استقرار أسعار العملات الأجنبية لاسيما الدولار واليورو, مشاركة الشركات الأجنبية في الاستثمار, تعويم العملة الوطنية, حرية السوق بعدم تحديد اسعار السلع وتركنا لظروف السوق, إلغاء دعم الدولة للسلع والمواد المعيشية الأساسية, تحرير سعر صرف العملة لمصلحة الاستثمار الأجنبي, إقامة أسواق العملات والأسهم, إلغاء حماية السلع المحلية, فتح الأسواق للأرخص والأكثر جودة في تنافس حر, ترفع الدولة الدعم عن كل انواع السلع والخدمات, فرض الرسوم والضرائب المباشرة وغير المباشرة, رفع أسعار الوقود والمحروقات (تحرير أسعارها), السماح بدخول الاستثمارات الأجنبية دون قيد أو شرط, الاعفاءات الجمركية والضرائبية لتلك الاستثمارات, عدم تفضيل المستمر المحلي, وضع سياسة ضريبية طويلة الأمد, السماح بتحويل رأس المال الاجنبي والارباح والانفاق ومدفوعات سداد القروض الأجنبية.
لقد نفذ نظام الاخوان المسلمين المجسد لمصالح شريحة طبقة الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة كل تلك الشروط, ولا نتعدي المصداقية ان قلت (كل تلك الشروط) حذو الفعل بالفعل.
أضرار الخصخصة:
حول قانون الخصخصة الصادر في 6-8-1990 الصادر بعد عام وشهرين من انقلاب الاخوان المسلمين واستيلائهم على السلطة, معظم مؤسسات القطاع العام للقطاع الخاص وتحولت عائداتها – كما جاء في تقرير المراجع العام للاعوام 1990 وحتي 30 مايو 1994, الي جيوب حفنة من أثرياء الإخوان المسلمين ودعاد الاسلام السياسي. والعديد منها بيع بثمن بخس. فعلي سبيل المثال تم بيع المؤسسة العامة السلكية واللاسلكية بأقل كثيرا ليس من قيمة أصولها وحسب, بل بيعت بما يساوي ربح شهر واحد وليس دخل شهر واحد. ويتجسد تغطية الفساد في الخصخصة, رفض معظم هذه الشركات مراجعة حساباتها كما جاء في تقرير المراجع العام المشار اليه آنفا.
نظام الاخوان المسلمين الذي باع القطاع العام للقطاع الخاص اسس 600 شركة تجارية لأفراد من علية التنظيم وتناسل عدد هذه الشركات حتي وصل 2847 شركة خاصة يعود عائدها الي الجيوب الخاصة علما بأنها معفية من الضرائب والجمارك. ووصلت رؤوس أموالها المعلنة فقط الي اكثر من 500 مليون دولار وفقا لتقارير المراجع العام السنوية.
أضرار تحرير سعر الصرف:
في الندوة التي نظمها اتحاد المصارف السوداني في 2-5-1995 حول سعر صرف الجنيه السوداني, ذكر دكتور عز الدين حسن رئيس اللجنة الاقتصادية.
“ظل سعر الصرف مستقرا منذ عام 1957 الي عام 1978 حيث كان يعادل الجنيه 3 دولارات, الآن يساوي اقل من نصف سنت”.
وقال تاج السر عبدالرحمن عبدالله مدير بنك سابق:
“إننا نعيش أزمة اقتصادية طاحنة خلقت عدم استقرار وقلق وعدم يقين بين الناس المنتجين والمستهلكين, القوي الشرائية بالنسبة للجنيه (الدينار) في تناقص مستمر بطريقة القفز وبدرجة حادة ومخيفة والمعالجات التي اتخذت حتي الآن لم تؤد الي نتائج مرضية بل ربما سلبية”.
وصرح السيد عبدالرحمن ضرار وزير الدولة بوزارة المالية قائلا تجاه المعالجات التي تمت:
“فضلت الحكومة في السيطرة علي سعر الصرف. يحدث هذا رغم ان السودان يمتلك موارد هائلة من الحديد والذهب والالمنيوم والماس والمنجنيز والكروم وغيرها. وان وزارة المالية طبعت مليارات الجنيهات في الفترة الماضية الا انها لم تحل المشكلة, بل فأقمت منها بزيادة التضخم”.
كذلك كشف (منتدي الامن الغذائي) الذي انعقد بمجلس الوزراء في 30 اكتوبر 2000 عن عجز الدولة في اصلاح ثوب النسيج الاجتماعي الذي مزقته سياسة التحرير الاقتصادي وضمنها تحرير سعر الصرف. السنوات الماضية أثبتت فشل آليات الحكومة”.
أضرار التضخم:
“التضخم في السودان ناتج أساسا من قلة الإنتاج. الكتلة النقدية المتداولة في الفترة حتي 1981 لم تتجاوز 3 بلايين اما الان 1999 فهي لا تقل عن 345 بليون في حين ان الدخل القومي لا يتجاوز 30% مما أدى الى ارتفاع الأسعار أضعافا عدة. السبب يرجع الي طبع كميات كبيرة من الاوراق النقدية. وترتبط قيمة الجنيه السوداني بحركة الاستيراد والتصدير. في الواقع هناك تجني كامل للقطاع الخاص وتصفية القطاع العام ومحاربة القطاع التعاوني”.
صدق أو لا تصدق:
أمام الفشل الاقتصادي الداوي وعجز الحكومة المخزي عن تقديم أي حلول للأزمة التي تعيشها البلاد نتيجة للسياسات التي ينتهجها النظام الطفيلي التي دمرت وضربت الاقتصاد إضافة للفساد والنهب المقنن وغير المقنن لاموال الشعب وكافة الاساليب الممعنة في الخسة والانحطاط توصلت الحكومة للآتي:
“حل المشكلات المالية بتسخير الجن المسلم لجلب الاموال, هكذا قال الدكتور عمر احمد دفع الله في مؤتمر الاستراتيجية الشاملة” نعم الجن!!
أما ما هو أكثر مدعاة للدهشة, موافقة الرئيس عمر البسير في ذات المقام إذ قرر: (إجراء دراسة جدوى لمشروع تسخير الجن لملء خزائن السوادان بالمال”.
وعلي من يريد مزيدا من الايضاح مراجعة صحيفة الوسط الصادرة في 31-4-2000″.
لا اعتقد ان القارئ المصري المتابع للوضع الاقتصادي في مصر خاصة (المؤتمر الاقتصادي الذي عقد في الشهر الماضي), سيستغرب حديث تسخير الجن هذا, عندما سمع بقول الشيخ الجندي: ان المسعر هو الله, ولا نربط سعر الصرف بالدولار أو الذهب.
الأزمة الاقتصادية وثورة ديسمبر 2018
ظل الوضع الاقتصادي مترديا, بل أكثر مأسوية مما كان عليه قبل ثورة ديسمبر 2018, وهذا يؤكد أن ما أطاحت به الثورة الشعبية المجيدة هو رأس النظام, اما ادوات تمكين النظام من قيادات في مراكز الانتاج تابعة للنظام وقوانين وشركات تابعة لطفيلي النظام, بل حتي قيادة السلطة بعد الثورة ما زالت في يد المكون العسكري والذي هو في الواقع اللجنة الأمنية الحامية لنظام البشير.
تؤكد مصداقية ما ذهبت اليه من تفاقم الأزمة وتردي الاقتصادي الي الابشع المقارنة الآتية:
كانت الأموال المقررة لمجلس السيادة الانتقالي في موازنة 2020 2.5 مليار جنيه رفعت إلى 5.7 مليار بزيادة قدرها 128%, مجلس الوزراء من 2.980 مليار جنيه الي 20.630 بنسبة زيادة 782% , الهيئة القضائية من 3.066 مليار الي 10.070 بنسبة 192% وزارة الخارجية من 182 مليون الي 328 ملوين بنسبة 80%, وزارة الدفاع من 32.920 مليار الي 89.82 مليار بنسبة زيادة 173%, قوات الدعم السريع من 14.5 مليار الي 37.01 مليار بنسبة زيادة 155%, وزارة الداخلية من 17.37 مليار الي 52.54 مليار جنيه بنسبة زيادة 202%, جهاز الامن والمخابرات من 9.04 مليار الي 22.01 مليار بنسبة زيادة 145%.
ولهذا نجد ضعفا عائقا في ما هو مخصص للتنمية والخدمات بشكل مخزٍ ومخل. ففي الوقت الذي بلغت فيه المخصصات لاجهزة الامن المختلفة والقطاع السيادي 245 مليار جنيه, نجد أن ما خصص للتنمية الزراعية والصناعية والخدمات والتعليم والصحة 72 مليار جنيه فقط.
يحدث هذا الفارق المخل في المنصرفات في ذات الوقت الذي تشكل الضرائب غير المباشرة والتي يتحمل العبء الأكبر منها الشعب السوداني, نجد ان الدولة الي جانب الانخفاض المريع للمرتبات والاجور يقع العبء الاكبر 74%من الميزانية علي الشعب السوداني ضرائب واتاوات وغيرها.
وأن الموازنة مكدسة نحو الصرف الاستهلاكي وليس التنموي وان معظم الصرف موجه للقطاعات غير المنتجة.
يحدث هذا في الوقت الذي خلت فيه الموازنة من مساهمات الشركات العسكرية والأمنية في ايرادات الموازنة. علما بأنها تدر مليارات الدولارات في العام, ومع ذلك تعتمد في احتياجاتها وصرفها الأعظم علي الموازنة كذلك لم تشتمل الموازنة على الأموال المستردة بواسطة لجنة ازالة التمكين, وعدم وقف وتجريم التجنيب واضافة الاموال المجنية لوزارة المالية, وفرض الضرائب التصاعدية علي الشركات والمؤسسات ليسهم كل ذلك في تخفيف وطأة الضائقة المعيشية علي فقراء الشعب الذي يمثلون الاغلبية الساحقة من السكان, ويفتح الباب أمام اعتماد الشعب علي قدراته.
الحلول للأزمة الاقتصادية في السودان
الحل الجذري للأزمة يكمن في إنهاء تحرير الاقتصاد وحرية السوق وإلغاء كل الشروط التي فرضها البنك وصندوق النقد الدوليين, والاعتماد علي القدرات الذاتية للبلاد. يصاحب ذلك استعادة دور الدولة في تخطيط الاقتصاد واستعادة كل المؤسسات الزراعية والصناعية والخدمية التي حولت بواسطة الخصخصة بالايلولة أو البيع او عن طريق الهيكلة, للقطاع الخاص, وكذلك تفجير الامكانات الهائلة المتوفرة في البلاد من مختلف المعادن بما فيها الذهب واليورنيوم, والبترول واصلاح مشروع الجزيرة ليصبح سلة غذاء للسودان وكذلك اعادة استزراع المشاريع الهائلة علي ضفتي النيل الازرق والنيل الابيض.
كل ذلك يوفر الامكانات اللازمة للتصنيع المرتكز علي الانتاج الزراعي والحيواني الهائل ويضع السودان في مصاف الدول المعتمدة علي امكاناتها الذاتية في مأكلها ومشربها وعلاجها وتعليم أبنائها دون استجداء لأية جهة تفرض شروطا تمس استقلال البلاد وسيادته على أرضه وقراره وتهين كرامة شعبه.
لقد سلكت العديد من البلدان هذا الطريق وهناك العديد من الامثلة في بلدان امريكا اللاتينية وغيرها غير أني لضيق الحيز اورد هنا مثالا و احدا في بوليفيا الجديدة.
قررت حكومة بوليفيا الجديدة المنتخبة اعادة قرض بقيمة 350 مليون دولار الي صندوق النقد الدولي حسب وكالة رويترز للاخبار. قال البنك المركزي في بوليفيا اعادة 346 مليون دولار بما في ذلك 4.7 مليون دولار من الفوائد والعمولات لصندوق النقد الدولي لتفادي ارهاق اقتصادها بالديون والتكاليف دون رادع.
وقال البنك ايضا انه سيبدأ إجراءات ادارية مدنية وجنائية ضد المسئولين عن التفاوض على هذه القروض من صندوق النقد الدولي.

التعليقات متوقفه