البالطو
ماجدة موريس
علي شاشة منصة مصرية رأيت مسلسلا مصريا حتي النخاع، هو «البالطو» الذي يحكي قصة طبيب ذهب إلي الارياف بعد انتهائه من الدراسة، ليبدأ عمله في وحدة صحية مكلفا من وزارة الصحة وفقا للقانون، وليتعرف علي الحياة في الواقع بداية من المكان، والعاملين به، ثم افواج المرضي التي تهل علي الوحدة يوميا، ولكن المفاجآت تتوالي علي «الدكتور عاطف» من اليوم الاول حين يموت رئيس الوحدة الدكتور أشرف «خالد الصاوي» من سقوط نجفة السقف اثناء ترحيبه به،، فيصبح هو الرئيس! وقبل ان يشكك احد في القصة فإن كاتب العمل هو الطبيب احمد عاطف فياض، والذي نشر كتابا عن يومياته، وأخذ من وقائعه هذا العمل الذي اخرجه مخرج موهوب هو عمر المهندس، الذي استطاع ان يدفع بنا كمشاهدين الي عالم حقيقي لا يمكن تجميله او تصور انه مكان آخر، بدءا من القرية التي تم التصوير بها، والطرق المؤدية إليها، وما حولها من أماكن نعرفها جيدا وساهم في وصولنا اليها مع مخرجها كتيبة من المبدعين معه كالمصور شريف جلال، والمونتير كمال الملاخ، وصانع الموسيقي محمد ابو ذكري، وغيرهم من صناع هذا العمل الذي أعاد اثبات ان الواقعية والصدق والاقتراب من الحياة الحقيقية للناس هى اقصر الطرق لقلب المشاهد، ففي «البالطو» وعبر حلقاته العشرة، سنري كمشاهدين الكثير مما لم ندركه، حتي لو سمعنا عنه، مثل حكايات الشيخ مرزوق الدجال «بأداء محمود البزاوي» الذي أوهم اهل القرية والقري حولها بقدرته علي شفاء المرضي، وعمل المعجزات مثل اطفاء الحرائق وغيرها من الاعمال التي لا تجد مقاومة لدي الكثيرين من اهل الريف الذين لا يملكون الوعي للرفض كما لا يملكون المال للعلاج، ولكن يملكون الامل فقط فيصدقونه، وغير الدجال الذي أوكل لأنصاره الانتقام من الدكتور عاطف حين اعترض علي دجله، يتعرض الطبيب الشاب لطبيب اقدم منه في الوحدة هو طبيب الاسنان د.سمير «بأداء محمود حافظ» الجشع الذي فرض علي المرضي دفع مبالغ للعلاج المجاني بمساعدة ممرضة، والذي يقرر تطفيش الطبيب الجديد الشاب جدا «بدافع الغيرة وخوفا منه» فيسرق من مكتبه «ختم النسر» العلامة الرسمية للعمل، ويختم الاوراق البيضاء للانتقام القادم! وغير هذا، يواجه الطبيب الجديد بكتيبة من العاملين والعاملات في الوحدة، بداية من مساعده عبدالبديع الطرشوخي «بأداء محمد محمود» ورئيسة التمريض الحاسمة ميس كوثر «عارفة عبد الرسول» إلي عشرات غيرهم، وغيرهن، في زحام يؤدي إلي فوضي دائمة مطلوب من الطبيب الجديد أن يواجهها وان يمتلك الحكمة والخبرة والوعي وكل ما ينقصه في بداية رحلته.
يوميات طبيب في الأرياف
في بدايات مخرجنا الكبير خيري بشارة، قدم فيلما من أهم الافلام التسجيلية عن الحياة في الريف المصري هو فيلم «يوميات طبيب في الارياف» عن رحلة حقيقية لطبيب جديد يذهب الي قرية بعيدة ليمضي فترة تكليفه، وبرغم انه فيلم تسجيلي عن طبيب حقيقي الا أنه قدم الكثير من الاحداث التي يواجهها الاطباء في بداياتهم، ليأتي هذا المسلسل، بعد كل هذه السنوات، ويكمل الصورة لما يعايشه الأطباء في بدايات حياتهم العملية، وليضيف المزيد من الاثارة من خلال لغة الدراما التي تختلف عن التسجيل، خاصة مع التركيز علي حياة الطبيب بداية من سكنه في غرفة أعلي الوحدة، «بجانب غرفة مغلقة لا يعرف احد سرها!» إلي اكتشافه مدي الفوضي في سلوكيات العاملين بالوحدة، وحفلات الافطار التي يتجمعون حولها والمرضي في الانتظار، الخ، وفي مقابل هذا يتواجد قلائل يعلو لديهم الشعور بالمسئولية مثل الدكتورة هاجر والتي تحاول مساعدة الطبيب الجديد، والذي قام بدوره عصام عمر، الذي أراه كممثل للمرة الاولي، والذي بدا بعيدا عن التمثيل، وقريبا من الشخصية الدرامية بكل ملامحها كشاب حائر، فاقد لكل الخبرات، يسعي لقضاء شهور في الوحدة والهروب بعدها من المكان كله، الشكل والحركة واسلوب الحديث وحتي الضياع والانفعال عناصر صنعت لعصام لغة الأداء المذهلة مع مخرج يجيد توجيه ممثليه، من الكبار الذين نعرفهم «محمد محمود والبزاوي وعارفة ومحمد رضوان وسلوي خطاب وغيرهم» إلي الجدد مثل الدكتورة هاجر «مريم الجندي» وحلمية «سلافة غانم» والفت «دنيا سامي» وغيرهم، ولنجد انفسنا امام أسئلة كثيرة بعد نهاية الحلقات العشرة، وامام نهايتين، الاولي حين جاءت محققة من الرقابة الادارية لتتأكد من شكاوي العاملين ضد الدكتور عاطف «بأداء سلوي خطاب» ولتتوالي الاتهامات ضده، والثانية حين عاد الطبيب الشاب إلي الوحدة مسرعا، وقطع سفره، حين عرف بوقوع حادثة تصادم كبيرة مع غياب الطبيب الجديد للوحدة. وبدا الدكتور عاطف هنا وكأنه ادرك معني المسئولية حقا. ولدي أسئلة هنا اولها هو لماذا لا يعرض عمل كهذا علي الشاشات المفتوحة وليس المنصات؟ وما هي المعايير التي تقدم لنا في الدراما العامة، ومعايير الدراما الخاصة، أي المنصات؟ ثم هل هناك افكار مسموح بها هنا، وممنوعة هناك ؟.

التعليقات متوقفه