600 مليار دولار قيمة الغاز والنفط أمام الساحل..صراع النفط والغاز .. وحرب غزة

31

إسرائيل استغلت الحرب وتعاقدت مع شركات أجنبية لتنمية حقول غزة

تل أبيب كانت ترغب فى أن تبيعها فلسطين الغاز بالسعر المحلى وتل أبيب تصدر لأوروبا بالسعر العالمى

 

 

نشرت مجلة «لايف» مقالا مهما عن تاريخ الحرب الإسرائيلية الحالية على قطاع غزة، وقالت إن الأمر يعود إلى 28 سبتمبر 1995 وفق المجلة، وذلك عندما وقعت فى واشنطن اتفاقية “أوسلو ـ 2” والتى بالإضافة للأراضي، حصلت السلطة الفلسطينية على حق التصرف فى ثرواتها الطبيعية. فى الخامس من أكتوبر من العام نفسه وافق الكنيست الإسرائيلى على الاتفاقية، وبدت الأمور وكأنها تسير فى طريقها لإيجاد حل سياسى وفق الاتفاق.

بعد 4 سنوات قامت السلطة الفلسطينية بتفعيل بند التصرف فى ثرواتها الطبيعية المنصوص عليه فى الاتفاقية، وقامت بتوقيع اتفاق مع شركة «بريتش جاز» البريطانية للبحث والتنقيب عن الغاز والنفط فى الرصيف البحرى أمام قطاع غزة، وكانت السلطة الفلسطينية تريد التحقق من وجود ثروات طبيعية بالقرب من سواحل غزة، بدأت الشركة البريطانية التى تقوم كذلك بعمليات الاستكشاف الجيولوجى العمل وبدأت بالفعل فى عمليات التنقيب والبحث.

بعد أربع سنوات من العمل، اكتشفت الشركة البريطانية على مسافة حوالى 20 ميلا بحريا من سواحل قطاع غزة احتياطيا ضخما من الغاز والنفط، ويقول كاتب هذا المقال إنه عثر على تقرير لجنة التجارة والتنمية التابعة للأمم المتحدة، والذى عرض فى أحد المؤتمرات والذى احتوى على أرقام دقيقة، فقد قدر خبراء الأمم المتحدة احتياطى الرصيف البحرى أمام غزة من الغاز بحوالى 122 تريليون قدم مكعب من الغاز، بالإضافة إلى 1.7 مليار برميل من النفط، حجم هذه الثروة قدر حين تم الكشف عن هذا التقرير بحوالى 453 مليار دولار للغاز و71 مليارا للنفط، أى نصف تريليون دولار إذا أردنا الدقة 524 مليار دولار للنفط والغاز معاً، وإذا أخذنا فى الاعتبار التضخم فسعر الثروة الفلسطينية فى الوقت الحالى لا يقل عن 600 مليار دولار.

وفى عام 2002 وافق الفلسطينيون على اقترح شركة «بريتيش جاز» على إنشاء بنية تحتية لاستخراج وتكرير النفط والغاز، والبدء فى إنشاء خط أنابيب غاز من حيث المبدأ يصل إلى أوروبا، إسرائيل اعترضت على ذلك، وأصرت على أن يمر أنبوب الغاز فوق الأراضى التى تحت السيطرة الإسرائيلية، واقترحت على الفلسطينيين بيع الغاز لها بالأسعار المحلية وليس أسعار السوق العالمية، وذلك لكى تتمكن إسرائيل من تصدير الغاز لأوروبا بالأسعار العالمية، وهو ما رفضته السلطة الفلسطينية بالطبع.

لكن فى عام 2007 عندما وصلت حركة حماس للسلطة فى قطاع غزة وعدت بإنشاء بتجديد المدن وإزالة المخيمات من الثروة القادمة، لكن تل أبيب قامت بحصار قطاع غزة من ناحية البحر، وهو الأمر الذى أوقف وحاصر كل الأعمال الخاصة بتنمية اكتشافات الغاز والنفط. وفى 27 ديسمبر قام الجيش الإسرائيلى بالهجوم على الأرض الفلسطينية فى قطاع غزة، حماس تطلق الصواريخ والجيش الإسرائيلى المسلح بعتاد أكثر وأحدث يهاجم دون رحمة السكان المدنيين والعزل، ووفق صحفيي الجارديان البريطانية فى ذلك الوقت حوالى 83% من الضحايا فى قطاع غزة كانوا من المواطنين العزل، المحصلة هدمت إسرائيل نسبة كبيرة من المباني فى قطاع غزة نتيجة العملية التى أسمتها «الرصاص المسكوب»، وفى مخالفة للقانون الدولى والاتفاقيات الموقعة مع الجانب الفلسطيني قامت إسرائيل بالاستيلاء على الرصيف البحرى المحاذى لقطاع غزة واعتبرته تابعا لها، وقامت شركة بريتش جاز بإغلاق مكاتبها فى تل أبيب لكى تنأى بنفسها عن هذا التضارب وعدم الوضوح القانوني لوضع الرصيف البحرى الذى تعمل به.

خلال الفترة من 2008 ـ 2022 كان هناك بعض النشاط فى الرصيف البحرى أمام قطاع غزة، لكن بشكل عام كان المشروع قد تجمد بسبب الصدام والحرب والصدامات المتقطعة مع حماس وعدم التنبؤ بما يمكن أن يحدث فى أى لحظة. لكن فى 26 سبتمبر 2022 حدث تفجير لخطوط الغاز الروسية ـ الألمانية الذاهبة إلى أوروبا «السيل الشمالى 1 و 2»، واتضح أن أوروبا لم تكن مستعدة لتطور فى الأحداث مثل هذا على الإطلاق.

من هذا المنطلق وبوساطة أمريكية بدأت فى صيف عام 2023 لقاءات تهدف إلى سرعة تنمية حقول الغاز أمام قطاع غزة، دون الأخذ فى الاعتبار مصالح الجانب الفلسطيني. فى 18 يونيو 2023 خرج رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو بتصريح، أعلن فيه موافقته على تنمية حقول الغاز أمام غزة، لكنه لم يأخذ فى الاعتبار الجانب الفلسطينى وقال بالحرف الواحد «المشروع ضروري لتحقيق الأمن لإسرائيل ومهامها الدبلوماسية». تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلى لم يمر مرور الكرام من المتحدث الرسمى لحركة حماس عندما أعلن أن «شعب غزة له كامل الحق فى التصرف فى ثرواته الطبيعية».

وهنا الأمر لا يحتاج إلى ذكاء خارق لكى يقرأ فى هذين التصريحين جوهر الصراع الحالى فى غزة. إسرائيل تقول “600 مليار نفط وغاز غزة هى لنا” وفلسطين وغزة تقول “لا إنها ثروتنا”. عندما يكون الرهان بالنسبة لفلسطين على 600 مليار دولار، فى حين أن الناتج الإجمالي المحلى لفلسطين لا يتجاوز 18 مليار دولار سنوياً، فإن هذه الثروة من الممكن أن تحول فلسطين إلى دبى جديدة، ومن هنا فجأة أصبح الحد بين الثروة والحرب غير واضح.

من الواضح أن الطرفين حاولا تسوية هذا الأمر، لكن لم يتم هذا بالطرق السلمية، وفى 7 أكتوبر اقتحمت حماس الحدود الإسرائيلية مع قطاع غزة وقتلت وأسرت الكثير من المواطنين والجنود الإسرائيليين، وإسرائيل بالتالي قامت برد عنيف ونشبت حرب جديدة بين حماس وإسرائيل، أسفرت عن قتل عشرات الآلاف من المواطنين العزل من الفلسطينيين، لكن وسط صخب الحرب وصوت المدافع تدور أحداث مهمة غير ملحوظة فى ذروة القصف الجوى والعمليات على الأرض، فى نفس الوقت لا تعيرها وسائل الإعلام أى اهتمام على الإطلاق، وكأنها لا تسمع عنها شئ.

فى 30 أكتوبر، وبعد أن دمرت إسرائيل أكثر من 60% من مباني قطاع غزة تقريباً وشردت أهله، قامت إسرائيل بمنح 12 منطقة امتياز فى نفس المنطقة التى كان ينقب فيها الجانب الفلسطينى ـ وهو ما لا تتحدث عنه وسائل الإعلام ـ وهذه المناطق تتبع الجانب الفسطينى وفق اتفاقية “أوسلو ـ 2”.

مرة أخرى إسرائيل تعطى شركات أجنبية تصاريح بالعمل فى مناطق نقبت فيها شركة «بيريتش جاز» لصالح السلطة الفلسطينية. تؤكد المعلومات أن ضمن الشركات التى حصلت على ترخيص بالعمل فى منطقة الرصيف البحرى لغزة شركات مثل «بيريتش بتروليوم»، كما كتبت عن ذلك صحيفة «إسرائيلي تايمز»، لعل سبب الحرب الحالية فى قطاع غزة قد اتضح الآن.

لكن على أى حال من منطقة قطاع غزة لم يتم حتى الآن استخراج نفط أو غاز، وإسرائيل فى موقف صعب من حيث تصدير غاز البحر المتوسط إلى أوروبا لكى يحل محل الغاز الروسى، ونظراً لوجود بعض الصعوبات التضاريسية فى قاع البحر المتوسط فشلت فكرة إنشاء أنبوب غاز يصل لأوروبا، واعتمدت تل أبيب على مصانع تسييل الغاز المصرية فى إدكو ودمياط، لتصدير الغاز المسال لأوروبا.

لكن من ناحية أخرى فإنه على السلطة الفلسطينية أن تجد حلا للتفاهم مع تل أبيب حول استغلال الثروة الكامنة أمام قطاع غزة لتستفيد من ثروتها لحين إقامة دولة فلسطينية وترسيم الحدود، وإلا فإن إسرائيل سوف تستنزف هذه الثروة مبالغ فيه.

التعليقات متوقفه