قاض مِن مِصر المستشار بهاء المُرِّي في ضيافة ورشة الزيتون

20

 

يعد المستشار بهاء المُرِّي أحد أشهر القضاة المصريين، عرفه المصريون من خلال توليه الفصل في عدد من القضايا التي شغلت الرأي العام مثل قضيَّة مقتل الطالبة نيَّرة أشرف، كما أنَّه كاتب وأديب له العديد من المؤلَّفات القانونيَّة والقصصيَّة والروائيَّة، واستضافته ورشة الزيتون بمناسبة إصداره أحدث كتاباته ( قاض من مصر ) والذي تضمَّن سيرته الذاتيَّة، حيث تطرَّق النقاش إلى مشوار حياته وأيضاً العديد من الأمور المتعلِّقة بالأدب والقضاء والحياة الاجتماعية.

يقول الكاتب محمود عوضين إنّ بهاء المُرِّي َارتبط بعد تخرجه في الجامعة بصلة وثيقة بدوائر الأدب وقصور الثقافة في الإسكندرية كما أنَّ عمله بالنيابة والقضاء مكّناه من التعرف على أحوال المجتمع والنفس البشريَّة، فكتب مجموعاته القصصيَّة الأولى ومن أشهرها يوميَّات وكيل نيابة وتلاها أكثر من عشرين عملا في الشعر والقصة والرواية، كما أنَّه لفت نظر المجتمع الأدبي إلى جنس مهم في الأدب هو الأدب القضائي ولعل من أبرز إسهاماته في هذا المجال إصداره لموسوعة هكذا ترافع العظماء والتي ضمنها المرافعات البليغة والهامة لأشهر المحامين ورجال القضاء في مصر.

والمستشار المري نفسه يقدِّم لأحكامه بمقدِّمات أدبيَّة لتنوير الرأي العام ودقِّ ناقوس الخطر حول ما استجد من انحراف في السلوك أو اختلال في القيم الاجتماعيَّة.

يرى الكاتب والناقد شعبان يوسف أهميَّة هذه السيرة أنَّها تعيد مفردات ومواقف وأحداث كادت أن تضيع من الذاكرة وتظل تفتيشا عما نريد خبا و اختفى لتتعرَّف عليه الأجيال المقبلة .

فيما تري الكاتِبة والروائيَّة سلوى بكر أنَّ ما يبدو للوهلة الأولى سيرة ذاتيَّة هو في الحقيقة تأريخٌ شخصي يتخالط مع التأريخ العام المصري في حقبة هامَّة من حياتنا وحاضرنا، وصاحب السيرة ينتمي إلى من يسميهم الجبرتي مساتير الناس الذين يعيشون في سعة من العيش ولكن ليس إلى درجة الثراء الفاحش وعلى قدر من الاستنارة والتعليم وسنجد دائما الاستنارة هي الخيط اللاضم في هذه السيرة منذ اللحظة الأولى وحتى نهايتها ، وهي سيرة أيضاً تتسم بالصدق والمكاشفة الشديدين، وهي أيضاً رصد لفترة من فترات العمل القضائي والقضايا الشائكة أحيانا وموقف القاضي في إحدى الوقائع مثلا عندما يكون مرتكبها واحدا من المتسلطين في المجتمع وكيف يواجه الضغوط التي تمارس عليه.

وترى سلوى بكر أنَّ المستشار المري طرح جملة من القضايا من منظور قضائي وجنائي وكانت تتمنى لو أنَّه طرحها من منظور اجتماعي أبعد من ذلك، فهناك أنواع من الجرائم تُعزى إلى مجموع الأوضاع الاقتصاديَّة والاجتماعية التي يعيشها الناس، كذلك القضايا التي تحدث بسبب تخلُّف القيم السائدة في المجتمع، وتختتم حديثها بأنَّ المستشار المري لديه تجربة خاصَّةٌ جداً ولديه الكثير من التجارب الإنسانيَّة والحياتيَّة التي وضعها تحت الفحص والتمحيص، ويستطيع أن ينهل منها ليكتب أدباً يتجاوز كثيراً من الأدب الذي يُكتَب الآن، لكنه بحاجة إلى مزيد من الخيال بما يثري العمل الأدبي ويتخلى عن الصرامة والالتزام بالوقائع اللذين يفرضهما عليه كونه قاضياً، ذلك من شأنه أن ينتج أدباً عظيماً و رائعاً.

يلتقط محسن عبد العزيز الكاتب والصحفي بالأهرام هذا الخيط من الكاتبة سلوى بكر ويشير إلى أنَّ القضاة ودارسي القانون يرون الإنسان في حالاته المختلفة، أحط حالاته وأكثرها فُجراً وعتوَّاً وأحياناً العكس ؛ أكثرها إنسانيَّة. كما أنَّ دراسة القانون تعلِّم دقَّة اللفظ والمعنى وتكون الكلمة لدى القاضي سيفاً وحكم براءة أو إعدام و ألاحظ على القضاة ، والأطباء أيضاً، الذين يحترفون الأدب أنَّهم يكونون دائماً أصحاب رؤية فيما يكتبون .

الأكاديميَّة والناقدة الدكتورة فاطمة الصعيدي تقسِّم كتاب قاضٍ من مصر إلى قسمين؛ الأوَّل الذي يتحدَّث فيه الكاتب عن نشأته في إحدى قرى الدلتا حيث شعرت فيه أنَّه يحكي عن طفولتها وطفولة ذلك الجيل في تلك القرى التي لم تعرف الكهرباء حتى منتصف السبعينات، وهدف أساسي من الكتابة أن تجعل الناس يعايشون هذا الرصد لجانب من حياتهم لم تتسنَ لهم الفرصة أو لا يستطيعون التعبير عنه، كما أنَّه فرصة لتعريف الأجيال اللاحقة بما لم تعرفه عن هذا المجتمع ويكون في ذلك فرصة لإعادة ترسيخ الهويَّة أيضاً، وترى أن الكاتب أجاد تصوير المرأة الريفيَّة و بخاصة تلك التي تكون متجبَّرة في مقابل الرجل المتسم بالكثير من السماحة والحلم .

وأمَّا القسم الثاني من الكتاب فقد تخلى فيه الكاتب عن ضمير المتكلِّم واتسم بالمهنيَّة الواضحة وأظهر كذلك قدرة متميِّزة على الكتابة الغيريَّة، أي الحديث الموضوعي عن الآخرين مع التزام شديد بالواقع ويمكن أن نطلق عليها يوميات قاضٍ وتذكرنا بيوميات نائب في الأرياف لكاتبنا الكبير توفيق الحكيم.

الدكتور محمد محمد عليوة ، أستاذ الأدب والنقد يتناول عنوان الكتاب ( قاضٍ من مصر) مبدياً إعجابه به ومعتبراً إياه إجمالاً يأتي الكتاب كله تفصيلاً له، فالعنوان يؤكد على الصفة لنجد أنفسنا خلال صفحات الكتاب أمام قاضٍ يكون أمامه تلٌّ من الملفات يفصل فيها، وهذا القاضي ينشغل بالقضايا بعد انتهاء عمله فيها، يدرسها ويهرع إلى الورقة والقلم ليدوِّن ما يراه صالحاً للكتابة ومفيداً للناس .

الروائي الدكتور محمد إبراهيم طه تكلم أيضاً عن السيرة الذاتيَّة كما وردت في الكتاب، فهي تبرز ملامح الشخص الريفي المصري الهادئ الساعي إلى التعليم تحدوه رغبة في التفوُّق و يسعده التميُّز، مع دعم فاعل من الأم التي تيتم أبناؤها بوفاة الأب ، ويظل التفوُّق والالتزام والانضباط سمات ملازمة لصاحب السيرة .والمستشار المري في رأي دكتور طه لم يدخل الأدب في البداية بشكل متخصص وإنما عن طريق سرد الحكايات القضائيَّة في شكل يشبه القصة، وإن كان الأمر قد اختلف فيما بعد مع كتابات مثل ( أنا خير منه ) و فيها يتخلى الكاتب عن كونه قاضيا وينتقل إلى الكتابة القصصيَّة و الروائيَّة .

ويرى الدكتور طه أن المستشار المري قد يكون في حاجة إلى التخفف في كتاباته الروائيَّة من جزالة اللغة التي يلتزم بها التزاماً كاملاً، و التي تذكرنا بلغة مصطفى صادق الرافعي.

اختتمت الندوة بكلمة المستشار المري حيث أشار إلى تراث المرافعات البليغة لنوَّاب العموم والمحامين الكبار ولأنَّه ينتسب إلى الأدب والقضاء فهو يراها أدباً من طراز فريد؛ أسلوباً ودلالةً وبلاغةً وحِجاجاً واستعارة ، وكل ما في جعبة أساتذة الأدب و النقد سنجده متوفِّراً فيها، يطلق عليها مرافعات قضائيَّة ولكنها أيضاً نصوص أدبيَّة.

والقضاة لا يتمايزون فيما بينهم بالعلم القضائي فحسب، فهو الأداة الأساسيَّة التي يجب أن تكون مملوكة لهم لتأدية عملهم، وإنَّما بثقافتهم أيضاً، والقاضي الذي يهتمُّ بهذا الجانب سنلمح صدىً لهذا في مرافعاته وكتاباته وأحكامه.فثمة علاقة قوية بين الأدب والقضاء ، فكل قضيَّة هي رواية، بشخوصها و أبطالها الرئيسيين والثانويين وأحداثها و أماكنها وزمانها أيضاً.

وعن لغته في الكتابة يعقِّب المستشار المري بأنَّ جزالة اللغة ليست مفتعلة ولا خيار لي فيها ، هي أسلوبي . و لغة الأدب تحتمل الإسهاب أمَّا لغة القضاء فهي لغة الإيجاز وكل جملة فيه يمكن حذفها ولا يختل المعنى هي جملة زائدة.

و في كل دول العالم – و كان لدينا من قبل – يوجد أدب و دراما يقومان على تحويل القضايا و الواقع الفعلي من خلال لغة الحكي والسرد التي تشدك حتى النهاية لتقدِّم قيمة أو معنى ما ، و نحن بصدد القيام بهذا مجدداً من خلال عمل درامي يقدِّم من خلال الأحداث و الحوار معلومة قانونيَّة و تحذيراً أيضاً وهو دور هام علينا القيام به .

 

 

 

 

 

التعليقات متوقفه