المواطنة المعلوماتية فى عصر الإعلام الرقمى

مجتمع المعلومات يجب أن يتسم بالتدفق الحر والمفتوح للمعلومات لجميع المواطنين والمؤسسات ضرورة ضمان المساواة فى الوصول والنفاذ إلى المعلومات الذكية ووجود بنية تحتية للاتصالات تصميم أجندة معلوماتية جديدة تقضى بضرورة إدخال تكنولوجيا المعلومات للمجتمعات الريفية

65

 

انطلاقاً من الحقيقة التى تشير إلى أن تكنولوجيا المعلومات رغم ما تتميز به من إيجابيات كثيرة فإن تجلياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية قد كشفت عن كثير من الجوانب المعتمة والمخاطر المستحدثة التى تتمثل فى الفجوة الرقمية والإرهاب الرمزى والابتزاز المعلوماتى وطغيان النزعة الترفيهية، فالواقع أن الثورة العلمية والتكنولوجية والمعلوماتية على رأسها قد أحدثت تحولات عميقة فى أنظمة العمل والعلاقات الاجتماعية وثقافة المجتمعات. وقد نجح أنصار النموذج العولمى الرأسمالى فى توظيف تكنولوجيا المعلومات للحفاظ على موازين القوى وتأمينها لمصالح الأقوياء من أباطرة السوق العولمية.

ويجرى التهليل لثورة المعلومات على أنها ثورة مختلفة تماماً عما سبقها من ثورات تكنولوجية، فهى تتسم باللامركزية ومعاداة السلطوية وتدعمها تقنيات مبتكرة قادرة على تخليص البشرية من تراتبية القوى المركزية وقدرتها الطاغية على تهميش الأطراف وتعد شبكة الإنترنت وهى تكنولوجيا طورتها وزارة الدفاع الأمريكية مثالاً ساطعاً على هذا النحو من نظم المعلوماتى المركزية إلى نظم المعلومات اللامركزية، فهى شبكة بلا سلطة مركزية وبلا تراتبية سلطوية، ورغم أن مناهضى العولمة الرأسمالية يقرون بأهمية الإنترنت باعتباره من أعظم منجزات الثورة العلمية والتكنولوجية خصوصاً وأنها شكلت أساساً متيناً فى تنظيم مظاهراتهم واحتجاجاتهم على مستوى العالم.

التحديات والإشكاليات:

تجسد الانترنت جماع السمات والمزايا والتناقضات التى تميز المرحلة الأخيرة من الرأسمالية الغربية والتى تتمثل علمياً فى تكنولوجيا المعلومات وصناعياً فى إنتاج المعلومة وتصنيعها وتعليبها وتحولها إلى سلعة وثقافياً فى فكر ما بعد الحداثة واقتصادياً وسياسياً وأيديولوجياً فى العولمة بمعنى السوق والشركات المتعدية الجنسيات وتجسد أيضاً التكنوقراطية الجديدة والأيديولوجية الالكترونية. فقد حقق الانترنت مختلف شروط الانتشار المجتمعى المتمثل فى تفوقه على التقنيات السابقة له فى قدرات الاتصال والإعلام للحصول على المعرفة وحرية التعبير والترفيه وأصبح جزءاً أساسياً لا يمكن الاستغناء عنه فى مجتمع المعلومات حيث تشكل أساسه ومحوره على مستوى الأفراد والجماعات والمنظمات وهو لم يزل ينتشر بصورة تصاعدية مثيرة ويقدر عدد مستخدميه قرابة ثلث سكان العالم. لذلك تبرز أهمية صياغة تعريف عملى وفعال لإدارة الإنترنت فى إطار ديموقراطى يضمن حقوق كل الشرائح الاجتماعية فى استخدامها بصورة ايجابية تكفل حرية التعبير عن التعددية اللغوية وحماية المعلومات والهويات الثقافية والملكية الفكرية ولن يتحقق ذلك إلا بمشاركة كاملة من الحكومات والسلطات المحلية والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدنى والمنظمات الدولي .

وهناك ثمة إشكالية بين التيارات الفكرية التى تناولت قضايا وإشكاليات الثورة العلمية والتكنولوجية فى الاتصال والمعلومات فى إطار مفاهيم الحداثة وما بعد الحداثة هناك تيار يربط الخطاب الحداثى بالمعايير الانتروبولوجية المتمركزة حول الثقافة ويؤمن بالحتمية المعلوماتية كنظام تكنو اجتماعى يرتكز على الفاعلية الكبرى للمعلومات وأن تطور المجتمعات يقوم أساساً على دمقرطة التكنولوجيا وتخليصها من قيود الاحتكار الفكرى والاستخدامى وجعلها فى متناول الأفراد والجماعات فى مختلف المجتمعات البشرية.

أما التيار الثانى فهو يركز فى خطاب نقدى يستعين بالمدخل الاجتماعى الثقافى ويستهدف الكشف عن تناقضات النموذج العولمى التى تتجلى بصورة ساطعة على صعيد المعلومات خصوصاً فى إطار النقلة النوعية التى أحدثها المتغير المعلوماتى فى حقل الاقتصاد حيث انتقل من مرحلة الإنتاج فى عصر الصناعة إلى مرحلة تكرار لإنتاج فى عصر المعلومات الذى يقوم على أساس أن المنتج المعلوماتى وأصوله من برامج وبيانات ومعلومات وأفلام ونصوص وأفكار وموسيقى وفنون جميعها قابلة للنسخ ولا يقتصر الأمر على ذلك بل يشمل العمالة البشرية أيضاً التى يمكن نسخها عن طريق الروبوت (الإنسان الآلى) والنظم الزكية. فالواقع أن تكنولوجيا المعلومات رغم ما تتميز به من إيجابيات كثيرة إلا أن تجلياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية قد كشفت عن كثير من الجوانب المعتمة والمخاطر المستحدثة التى تتمثل فى الفجوة الرقمية والإرهاب الرمزى والابتزاز المعلوماتى وطغيان النزعة الترفيهية وترويج الأفكار العنصرية والتعصب الدينى.

وقد نجح أنصار النموذج العولمى الرأسمالى فى توظيف تكنولوجيا المعلومات للحفاظ على موازين القوى وتأمينها لمصالح الأقوياء من أباطرة السوق العولمية. ويشير مشهد الإعلام الرقمى الراهن إلى العديد من الاشكاليات والتحديات نوجزها على النحو التالي:

أولاً: تأخر معظم المجتمعات غير الغربية عن دخول عصر المعلومات بمعطياته وزخمه الحقيقي ويعزى ذلك إلى ضعف وقصور البنى التحتية اللازمة لهذا العصر خصوصاً بنية الاتصالات والمواصلات والتعليم والتدريب والبحث العلمى إضافة إلى سيطرة اللغة الإنجليزية على معظم المحتوى المعلوماتى وضعف برامج التنمية المعلوماتية والتكنولوجية ويؤكد ذلك أن عصر المعلومات بمزاياه وفوائده قد كان حكراً على الدول الغنية وعدد قليل من الشرائح العليا فى الدول النامية وأن المليارات من البشر لم يشملهم حزام المعلومات حالياً ويواجهون التهميش السياسى والاقتصادى.

وهنا يجدر الاستشهاد بما جاء على لسان نيلسون مانديلا فى إحدى خطبه من أن ثلثى سكان العالم لم يجر مكالمة هاتفية واحدة طيلة حياته . والواقع أن المشهد التنموى يشير إلى أن معظم الدول النامية لا تمتلك نظام اتصال تليفونى يعمل بكفاءة وهو يعد عامود الخيمة الأساسية الخاصة بتكنولوجيا المعلومات وتحتاج تكلفة هذه المستلزمات إلى مليارات من الدولارات.

ثانياً: رغم تزايد أعداد مستخدمى الانترنت فى الدول النامية خصوصاً العالم العربى وأفريقيا إلا أن الشواهد العملية تؤكد أن هذه الدول لا تزال تشغل موقع المستهلكين لمنتجات المعلوماتية الغربية بسبب غياب البنية التحتية المعلوماتية فى مجالات التعليم والتدريب والبحث العلمى وعدم تمكين الشرائح الاجتماعية المختلفة من الرجال والنساء والشباب والأطفال من المشاركة فى الاستثمار العلمى والعملى فى شبكة الشبكات. مما أسفر عن ظهور ما يسمى الفجوة الرقمية للدلالة على الفرق بين من يمتلك المعلومة ومن يفتقر إليها. وقد نشأ هذا المصطلح فى الولايات المتحدة الأمريكية فى نهاية التسعينيات من القرن العشرين ويعكس هذا المصطلح جماع الفروق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والنوعية والعمرية وثنائية الريف والحضر. ولا يمكن اعتبار الفجوة الرقمية مشكلة تكنولوجية فحسب فالتكنولوجيا كانت دوماً منتجاً اجتماعياً ثقافياً سواء فى نشأتها أو استخداماتها وتوظيفها. ولذلك يرتبط إلغاء هذه الفجوة بإلغاء الفجوات الأخرى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية محلياً وعالمياً.

كما يحذر علماء المعلوماتية من احتمال ظهور نوع جديد من البيروقراطية يطلق عليه المعلوقراطية حيث تحل الآلة محل طبقة البيروقراطيين التقليديين وتُحكم قبضتها على مصائر البشر وذلك فى ظل ظهور ما يُعرف بمصطلح الحكومة الإلكترونية.

ثالثاً: يطرح مجتمع الانترنت عدة تحديات علمية أمام الباحثين والعلماء الاجتماعيين والفضاء الافتراضى بقيوده وحريته الافتراضية والعقل الجمعى الالكترونى الذى تتكشف من خطة آلية العولمة العلمية والتقنية والاجتماعية بل والاقتصادية والسياسية والثقافية وبروز (فكر عالمى وتصرف محلى) فضلاً عن ظهور ما يسمى بالشخصية الحوارية التى لا يمكن التعرف عليها إلا من خلال النصوص الالكترونية فى البريد الالكترونى وغرف المحادثة والمؤتمرات الالكترونية والتى ترتبط ببيئة جديدة ليست بيئة المكان المعروفة والتى ارتبط بها الإنسان فى سالف عصوره كل هذه المستجدات التكنواجتماعية أدت إلى ظهور مكونات مجتمعية تصوغ الإنسان فى آلية الكترونية فى إطار ما يسمى التنشئة الإنترنتية التى سيتم توظيفها لخدمة السوق العولمية من خلال برامج المعلومات والإعلام والثقافة والتعليم الالكترونية المعولمة . وفى ضوء تصاعد هيمنة البرمجيات على تفكير الأفراد وسلوكهم فى مجتمع الانترنت علاوة على بروز فئة التكنوقراط وظهور التكنوقراطية الآلية وخطورة ما يمكن أن تأتى به هذه المنظومة من تغييرات فى منظومة القيم والوعى والثقافة والسلوك الاجتماعي فى ضوء كل ذلك تبرز مسئولية البحث العلمى والباحثين فى مختلف فروع العلم الاجتماع وعلى الأخص علم الاجتماع والنفس والإدارة واللغويات والإعلام والمعلوماتية.

رابعا: لوحظ أن تطورات الحرب العالمية التى قادتها الولايات المتحدة ضد الإرهاب بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر 2001 قد أدت إلى تزايد انتشار المواقع التى تروج للإرهاب. فالمعركة الحقيقية مع الجماعات الإرهابية كما يؤكد خبراء الانترنت والإرهاب اتسعت لتشمل الفضاء الالكترونى حيث اكتسب الانترنت أهميتها لدى الجماعات المتطرفة كوسيلة سريعة للنشر وفى الوصول إلى المستهدفين والإفلات من الرقابة الحكومية وذلك مع استمرار ضعف الدول النامية فى عمليات المواجهة خصوصاً مع غياب التوافق العالمى حول السياسات الواجب إتباعها أو حتى فى تعريف ماهية الإرهاب.

وثمة أسئلة عديدة مطروحة بإلحاح أمام صناع القرار فى المؤسسات الصحفية العربية، تتصدرها:

1- هل هناك سياسة مستقبلية واضحة لعمل الصحافة العربية الإليكترونية بمعنى هل صدرت لتستمر؟ أم ستظل مجرد مرآة وواجهة للنسخة المطبوعة؟

2- من سيصنع القرار الصحفى داخل هذه الطبعات الإلكترونية ؟ أهم أهلا لتكنولوجيا ومراكز دراسات المعلومات فى الصحف أم كادر صحفى مزود بتقنيات حديثة وقادر على إضافة الجديد إليها، وكيف يتم اختيار المواد الصحفية التى ستنشر على الإنترنت؟

3- من هو جمهور الطبعة الإليكترونية؟ وهو سؤال أساسى لا نعرف الصحف العربية الإليكـترونية إجاباته، فهى لا تعرفا بدقة من هو جمهورها؟ ولا كيف يستخدمون الطبعة الإليكترونية، ولا عاداتهم القرائية؟ ولا يحتج بالعداد لإليكترونى للزوار Vistior Counter كمؤشر على معرفة جيدة بجمهور هذه الصحف، وإن كانت رسائل البريد الإليكترونى تعد مؤشراً، لكنها ليست كافية، فقد تقدمت أدوات وتقنيات قياس مقروئية الصحافة الإليكترونية بشكل يساعد فى معرفة وقياس طرق استخدام الطبعات الإليكترونية، وهو أمر يساعد فى تحرير الطبعة الإليكترونية من جهة، كما يعد وسيلة مهمة لجذب معلنين جدد لصحافة الإليكترونية من ناحية أخرى.

4- قضية التشريعات الصحافية التى تحكم عمل فى الصحافة الإليكترونية ؟ هل ستخضع لنفس التشريعات والأحكام والتوجيهات المحلية أم أن اتساع ساحة النشر والتوزيع الإليكتروني، تخلق حاجة لتشريعات وتوجيهات أخرى؟

5- أى نوع من المحـررين تحتاجه الصحافة العربية المطبوعة والإليكترونية فى المستقبـل؟

6- المستقبل لمن؟ للصحافة المطبوعة أم الإليكترونية؟ إذ أنه من الضروري حسم هذه القضية أو على الأقل التبصر فى هذه القضية التى تدور حول مستقبل الصحافة المطبوعة، فهل ترى القيادات الصحفية العربية أن الصحافة الإليكترونية هى موضة المستقبل، أم هم مقتنعون بأنه ليس فى الإمكان أبدع مما كان، وأن الصحافة المطبوعة تعمل بشكل جيد فى عصر ثورة المعلومات، وأنها تتحدى الجميع.

7- وهناك سؤال يتعلق بالتكلفة التى يحملها قارئ الصحيفة الإليكترونية فى مقابل تكلفة شراء النسخة المطبوعة. ومدى إقباله على قراءة النص الإليكتروني فى مقابل قراءة النص المطبوع، وأيهما أسهل وأكثر راحة .. إلخ .

البدائل:

ولمواجهة هذه التحديات التكنولوجية التى قلبت أحوال البشر ومصالحهم وعلاقاتهم تبدو الحاجة الملحة للمساءلة عن مدى مشروعية من هم فى السلطة ومسئولياتهم عن ضمان وكفالة الحقوق المعلوماتية لجميع المواطنين أو بمعنى آخر تحقيق المواطنة المعلوماتية خصوصاً وأن هذه الحقوق غير مكفولة واقعياً وتشريعياً بسبب تحكم القوى العولمية فى امتلاك واستخدامات الموارد العظيمة للمعلومات والاتصالات التى يعج بها عالمنا اليوم.

ومن هنا تبرز ضرورة تفعيل المقولة التى يرددها أنصار الإعلام الرقمى والتى تشير إلى أن مجتمع المعلومات يجب أن يتسم بالتدفق الحر والمفتوح للمعلومات لجميع مواطنيه ومؤسساته ويتطلب تحقيق ذلك ضمان المساواة فى الوصول والنفاذ إلى المعلومات الذكية ووجود بنية تحتية للاتصالات.

وهذا غير متحقق بالفعل للغالبية العظمى من سكان الكوكب الأرضي ولن يتحقق فى ظل سياسة الاستقطاب والاحتكار المعلوماتى السائد حالياً. وسعياً لتحقيق المشاركة المعلوماتية نشدد على ضرورة تكاتف مؤسسات ومنظمات المجتمع المدنى من أجل إنشاء شبكات معلوماتية مستقلة تعبر عن جموع المهمشين فى جميع المجتمعات مع ضمان حمايتها بتشريعات وضوابط تكفل لها تحقيق المصداقية واحترام حقوق الآخرين فى الاختلاف وتجنب حروب وقرصنة الفضاء المعلوماتى.

وفى ضوء ذلك نقترح تصميم أجندة معلوماتية جديدة تقضى بضرورة إدخال تكنولوجيا المعلومات للمجتمعات الريفية بإنشاء منافذ وأكشاك للكمبيوتر فى القرى والتجمعات النائية تشرف عليها الجمعيات الأهلية وبث برامج لتوعية الفلاحين بحقوقهم وإرشادهم إلى الأساليب الزراعية الحديثة لمساعدتهم على تحسين إنتاجهم، وتشمل سائر الخدمات الموجودة على الخط (On line) مثل توفير فرص العمل وأساليب الحافظ على البيئة ومنظومة القيم الثقافية والأخلاقية وتعمل على صيانة التراث الشعبى من الاندثار، وحماية الآثار.

وتستهدف هذه الأجندة المعلوماتية المناهضة للاستخدام التجارى لتكنولوجيا المعلومات، تأسيس المعرفة بمعناها العلمى والإنساني المتكامل والتى لا تتحقق من خلال التدفق الحر للمعلومات الذى لا يصنع معرفة حقيقية، بل أدى بالفعل إلى نوع من التخمة المعلوماتية التى أهدرت إمكانية تشكيل المعرفة الصحيحة فضلاً عن توظيفها فى فهم الواقع وتفسيره توطئة لتغييره إلى الأفضل والأكثر عدالة.

 

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy