انتخابات الجمعية الوطنية الفرنسية: أسباب متنوعة أدت لفوز اليسار
ظهور نتائج الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية الفرنسية وإعلان فوز تحالف اليسار الملقب بـ «الجبهة الشعبية» بالعدد الأكبر من المقاعد, من بين التحالفات السياسية الثلاثة التي انقسمت بين تحالف اليسار, وتحالف الوسط تحت مسمى «معًا» وتحالف اليمين التطرف بقيادة حزب التجمع الوطني لرئيسته مارين لوبان, أصيبت الكثير من الدوائر السياسية, وفي أوروبا بالأخص, بشكل من أشكال الصدمة جراء هذه النتائج.
فبعد أن كان من المتوقع أن يستمر صعود اليمين في الجولة التالية ليحصل على العدد الأكبر من المقاعد ليحقق ما كان يصبو إليه منذ فترة طويلة في حكم فرنسا، بعد أن انعقدت الجولة الأولى للانتخابات وانتهت بتحقيق تحالف اليمين 33% من المقاعد، لكن جاءت النتائج مخالفة للتوقعات, وحصلت الجبهة الشعبية اليسارية على 188 مقعدًا لتحل في المركز الأول, وحصل تحالف معًا الوسطي على 161 مقعدًا, وجاء تحالف اليمين في المرتبة الثالثة بقيادة التجمع الوطني بعد أن حصل على 142 مقعدًا فقط.
تبدد حلم التجمع الوطني في حكم فرنسا الذي كان قد أوشك على التحقق بين ليلة وضحاها, وكذلك فشل تحالف الوسط بقيادة ماكرون وجابرييل أتال فشلًا انتخابيًا أمام اليسار. تؤكد النتيجة النهائية أن كلًا من اليمين المتطرف والوسط قد فشلا في إدارة الانتخابات التشريعية, لتدخل التجربة الديمقراطية الفرنسية حالة جديدة من الاضطراب, حيث يفتقر البرلمان للأغلبية التي تتيح تشكيل الحكومة.
إدارة يمينية فاشلة للانتخابات
في حديثه في أعقاب الهزيمة، أمضى بارديلا, المتحدث باسم التجمع الوطني والوجه الثاني في الحزب بعد مارين لوبان, والبالغ من العمر 28 عامًا, يومًا كاملاً يعتذر عن أول هزيمة كبيرة في حياته السياسية. وقال في التلفزيون الفرنسي «نحن دائمًا نرتكب أخطاء، لقد ارتكبت أخطاء، وأتحمل نصيبي من المسؤولية عن النتائج».
بعد ظهور النتيجة انقلب بعض كبار السن في الحزب ضد القيادة الجديدة لبارديلا. انتقد برونو بيلدي، الحليف المقرب من لوبان، إدارة حملة الحزب الانتخابية بقيادة بارديلا “يحتاج الحزب بعد الهزيمة إلى القيام ببعض البحث عن الذات,”.
وأوضح أن هناك من “الأسباب الهيكلية” التي أعاقت العمل في حملة الجولة الثانية لتحالف اليمين. انتقد لويس أليوت، عمدة بربينيان الذي فشل في انتخابات داخلية ضد بارديلا في السباق نحو قيادة الحزب لعام 2022 ، إدارة العملية الانتخابية للتحالف اليميني.
تشمل الانتخابات التشريعية الفرنسية 577 مقعدًا يجري السباق عليها، مما يعني أن الأحزاب غالبًا ما تختار نشطاء محليين لديهم خبرة قليلة لتمثيلهم، خاصة في المناطق التي لديهم فرصة ضئيلة للفوز فيها.
وقد وثق منتدى الصحافة الاستقصائية الفرنسي ميديا بارت 106 مرشحين من تحالف اليمين الذين أدلوا سابقًا “بتصريحات بغيضة أو عنصرية”، بما في ذلك مرشح واحد تم تصويره وهو يرتدي شعارات نازية، دفعت هذه التصريحات والممارسات الحزب إلى تراجع دعمه رسميًا. ورصدت أحاديث مختلفة لبعض المرشحين من التجمع الوطني يتحدثون بصورة اعتبرها البعض عنصرية تجاه المسلمين واليهود. وفي سياق الخطابات الانتخابية, كان مرشحو تحالف اليمين هم الأكثر حديثًا عن الدين والخلفية الدينية للمجتمع, وهو ما أثار حفيظة كثير من المواطنين الفرنسيين علمانيي الميول والتوجهات.
وفي الوقت نفسه, تحالف اليسار مع الوسط في التنسيق بين المرشحين والانسحاب لصالح المرشح الأكثر ترجيحًا في كل دائرة انتخابية لضمان خسارة المرشح اليميني. كان يلزم في مواجهة هذا التنسيق بين اليسار والوسط إدارة الحملات الانتخابية اليمينية بمزيد من الحكمة, لكن اتضح أن إدارة واختيارات بارديلا للمرشحين اليمنيين لم تكن موفقة, حسب آراء من داخل حزب التجمع الوطني.
هزيمة الوسط أيضًا
لكن حتى في الوقت الذي احتل فيه التحالف اليميني المركز الثالث في الانتخابات، فإن الأمور لن تكون سهلة على ماكرون، فعلى ماكرون أن يتعامل مع اليسار الذي عضد موقفه بقوة, ومع اليمين المتطرف الذي لم يخرج من الصورة السياسية وسيظل يصارع لتطبيق أي قدر متاح من أجندته السياسية.
أضعفت نتيجة الانتخابات ماكرون على المستوى العالمي، فسوف يصبح من الصعب على الرئيس الحفاظ على مواقفه السياسية. فهذا البرلمان المجزأ بين ثلث لليسار وثلث للوسط وثلث لليمين المتطرف سيشكل عقبة حقيقية في آليات صنع القرار, قد أثبتت هذه النتيجة خطأ ماكرون في الدعوة لانتخابات مبكرة. في هذا البرلمان الذي لا يملك حزبًا فيه أغلبية مطلقة، والذي يشار إليه أيضًا باسم البرلمان المعلق، تكون عملية صنع السياسات ومعالجة قضايا مثل المالية العامة في منتهى الصعوبة.
استطاع اليسار أن يحصل على أكبر عدد من المقاعد لاعتبارات كثيرة, أهمها وأولها أخطاء ماكرون في فترة حكمه, التي بدأت برفع سن التقاعد, والحديث عن عجز تمويل منظومة الضمان الاجتماعي الفرنسي, بالإضافة للتعثر الاقتصادي الذي شهدته فرنسا لتدخل موازنتها العامة في مرحلة “العجز” المالي. كل هذه العوامل, بالإضافة لعوامل أخرى, صرفت تأييد الناخبين عن ماكرون وحزبه. ولأن كان التجمع الوطني غير قادر على استيعاب هذا النفور من سياسات ماكرون وحزبه, كان لليسار الحظ الأوفر في الحصول على التأييد.
فقد استطاع تحالف اليسار بقيادة حزب فرنسا الآبية الذي يترأسه السياسي اليساري جون لوك ميلانشون أن يستقطب أكبر عدد من الناخبين, عبر الحديث عن استعادة الاقتصاد الفرنسي بمزيد من تدخل الدولة في العمليات الاقتصادية, وعبر التأكيد على شعارات العدالة الاجتماعية والحفاظ على مكتسبات الضمان الاجتماعي في فرنسا, وكذلك إصلاح المؤسسات الخدمية في فرنسا وفي مقدمتها المؤسسات التعليمية والصحية.
بالإضافة لذلك, عمل اليسار على ضخ الخطابات العنصرية التي أطلقها اليمين المتطرف, بتوجيهه لخطاب جامع يتجاوز التحريض على المهاجرين. وبهذا حصل اليسار على تأييد كتلة المهاجرين والفرنسيين من أصول أجنبية, وهي كتلة ساعدت في حصول اليسار على عدد أكبر من المقاعد, لكنها ليست الكتلة الحصرية المسئولة عن نجاح اليسار الانتخابي, فقد ساهم نفور عموم الفرنسيين من الوسط وسياساته المطبقة في فترة رئاسة ماكرون من جانب, ومن الخطاب العنصري اليميني المرفوض مجتمعيًا في فرنسا, في حصول اليسار على عدد كبير من الأصوات.
مشكلة تشكيل الحكومة
تجد فرنسا نفسها في وضع غير مسبوق لبلد بُنيت مؤسساته لتجنب هذا النوع من المواقف. فشلت الانتخابات التشريعية في إنتاج أغلبية، ويبدو أنه لا توجد أغلبية قابلة للتشكل، خصوصًا وأن الأطراف الثلاثة مصرون على تنفيذ برامجهم.
من المعتاد أن يعين رئيس الجمهورية رئيسًا للوزراء من بين الفائزين في الانتخابات، يكون قادرًا على تشكيل أغلبية نسبية في الجمعية الوطنية. وهو الأمر غير المتاح الآن وفقًا لتقسيم المقاعد في الجمعية الوطنية.
في الوضع الحالي، سيتعين على إيمانويل ماكرون تعيين رئيس وزراء من الجبهة الشعبية الجديدة، والذي سيكون عليه أن يجذب دعم أو امتناع الكتلة الليبرالية والجمهوريين الذين حصلوا على 48 مقعدًا. وفي هذا السياق تم ترشيح عدد من الأسماء لتولي مقعد رئاسة الوزراء, منها مارين توندليير قائدة حزب الخضر, وأوليفييه فور من يسار الوسط, كما طرح حديثًا اسم السياسية الفرنسية هوجيت بيلو، رئيسة المجلس الإقليمي لاتحاد لارمونيون, والتي يبدو أنها قادرة على تحقيق أكبر قدر ممكن من الاجماع بين قوى اليسار من جانب, وتحالف الوسط من جانب آخر. لـ”بيلو” الفرصة الأكبر في الحصول على مقعد رئيس الوزراء من بين الأسماء المطروحة حتى الآن.

التعليقات متوقفه